• Wodhoo7 Translation

ما معنى الدولة؟

Updated: Feb 14

ترجمة لمحاضرة ألقاها إرنيسترونون في جامعة السوربون، 11 مارس 1882.


سأحاول أن أحلّل معكم فكرة قد تبدو واضحة في الظاهر ولكنّها تُفهم بطريقة خاطئة وخطيرة. أشكال المتجمعات البشريّة هي الأكثر تنوّعاً. التجّمعات الكبيرة مثل الصين، مصر، الحضارة البابليّة القديمة، القبيلة على الشاكلة العبرانيّة، العرب، المدينة علىطريقة أثينا وأيضا اسيرطة، تجمّعات دول مختلفة على طريقة الامبراطوريّة الكارولوفينيّة، التجمّعات بدون دولة والتي يجمعها الدين، الدّول مثل فرنسا، سويسرا، أميركا، أمور كالعرق واللغة هي التي تكون بين مختلف فروع الجرمان، مختلف فروع السلاف. هذه أشكال تجمّعات موجودة أو وجدت والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نخلط بينها.


في فترة الثورة الفرنسيّة، ساد الاعتقاد أنّ نموذج المؤسّسات في المدن الصغيرة المستقلّة كروما واسبرتا، يمكن أن يطبّق في مدننا التي تعدّ 30 و40 مليون نسمة. في أيامنا، نرتكب خطأ فاحا: نخلط بين العرق والدولة. ونقوم باعطاء مجموعات اثنيّة أو لغويّة سلطة موازية للشعوب الموجودة فعليا. لنحاول أن نضبط العديد من المفاهيم في هذه المسألة لنجيب على بعض الأسئلة الصعبة، أين يمكن لسوء الفهم، ولو البسيط، لمعنى الكلمات أن يقود في النهاية الى أخطاء جسيمة. ما نشرع في القيام به خطير ودقيق: سنتعامل مع الأحياء كما نتعامل مع الموتى في العادة. سنكرس البرودة والتجرّد المطلق.


منذ نهاية الحضارة الرومانيّة، أو منذ تفكّك امبراطوريّة شارلومان، ظهرت أوروبا منقسمة الى دول التي حاول بعضها بسط نفوذه على الآخرين دون أن يتنجح في ذلك بطريقة دائمة. ما لم يستطع شارل-كوينت، لويس 14، نابيليون 1 القيام به لن يقدر أحد عليه في المستقبل. إرساء امبراطوريّة رومانيّة جديدة أو امبراطوريّة لشارلومان بات مستحيلا. انقسام أوروبا كبير لدرجة أنّ أيّ محاولة للهيمنة الكونيّة ستخلق تحالفات سريعة ستقاوم الدولة الساعية للهيمنة وتعيدها الى حدودها الطبيعيّة. ثمّة توازن سيدوم طويلا. فرنسا، أنجلترا، ألمانيا، روسيا سيكونون لقرون طويلة، ورغم المغامرات التي خاضوها، عناصر تاريخيّة فاعلة وضروريّة فوق رقعة تختلف مربّعاتها ويتغيّر حجمها وأهميّتها ولا تتداخل بشكل تامّ.


البلدان، إذا قاربناهم بهذه الطريقة، أمر محدث في التاريخ. مصر، الصين، شالدي القديمة لم يكونوا دولأ. كانوا رعايا يقادون من طرف ابن الشّمس، ابن السّماء. لم يوجد مواطنون مصريّون ولا صينيّون. الحضارات في العهد الكلاسيكي عرفت جمهوريات وملكيات، مجموعة من التجمّعات المحليّة، امبراطوريات. لم توجد دولة بالمعنى الذي نطرحه هنا. أثينا، اسبرتا، سيدون، تير، هي مراكز بدرجة مواطنة عالية ولكنّها تحتلّ فضاء محدوداً. اسبانيا، إيطاليا، قبل احتوائهما من الامبراطوريّة الرومانيّة، كانتا تجميع لمجموعة من الرعايا المتحّدون ولكن بدون أيّ مؤسّسات مركزيّة. الامبراطوريّة الآشوريّة، الامبراطوريّة الفارسيّة، امبراطوريّة الاسكندر لا تمثّل هي أيضا دول. لم يوجد مواطنون آشوريون. الامبراطوريّة الفارسيّة تمثّل فضاء للنظام الفيودالي. لا يوجد دولة لا تربط جذورها بمغامرة الاسكندر والتي كانت ذات انعكاسات هامّة على تاريخ الحضارات بصفة عامّة. الامبراطوريّة الرومانيّة كانت قريبة من أن تكون دولة. بعد انتهاء الحروب، أصبحت الهيمنة الرومانيّة القاسية في بدايتها، مرغوبة بعد ذلك. كان تجمّعا كبيرا ونظاما جاء بالسلم والحضارة. في آخر عهد الامبراطوريّة كانت فكرة "السلم الرومانيّة" تراود الكهنة المستنيرين والمثقّفين ورفعة القوم في مواجهة الفوضى التي تهدّد بالبربريّة. ولكن، امبراطوريّة أكبر 12 مرّة من فرنسا حاليا، لا يمكن أن تكوّن دولة بالمعنى الحديث للكلمة. انفصال الشرق والغرب لا مفرّ منه. محاولات قيام امبراطوريّة في القرن الثالث لم تنجح. وقد كان الاحتلال الجرماني هو السبب في ظهور المفهوم الذي سيساهم لاحقاً في وجود الدول والجنسيات. ماذا فعلت الشعوب الجرمانيّة من حروب الاحتلال في القرن الخامس الى آخر الفتوحات في القرن العاشر؟ غيّروا بعض الشيء من مفهوم العرق ولكنّهم فرضوا هيمنة أرستقراطيّة عسكريّة في أجزاء مهمّة من الامبراطوريّة الغربيّة القديمة والتي أخذت أسماء محتليها. من هنا، ظهرت فرنسا، بورغاندي، لومباردي وبعد ذلك نورماندي. الانتشار الذي عرفته الامبراطوريّة الفرنسيّة ساهم، لفترة وجيزة، في توحيدِ الغرب. ولكن سنعود للتشتّت مع القرن التاسع. معاهدة فاردان أنتجت مجموعة من الانقسامات. فرنسا، ألمانيا، إيطاليا وأنجلتراسيدخولون في مجموعة من المغامرات من أجل تحقيق وجودهم الوطني الذي سيزدهر ويتنامى كما نراه اليوم.


ما الذي يميّز هذه الدّول المختلفة؟ انصهار الشعوب التي تكوّنها. في البلدان التي ذكرناها، لا يمكن أن نجد نقاط تشابه مع ما حدث في تركيا أين يكون التركي، السلافي، اليوناني، الأرميني العربي، السوري والكردي مختلفين اليوم تماما كما هو الحال يوم الغزو. مجموعة من العوامل ساهمت في هذه النتيجة. أوّلا، الشعوب الجرمانيّة التي تعتنق المسيحيّة ما ان تتقابل مع شعوب يونانيّة ولاتينيّة. عندما يكون الغالب والمغلوب من نفس الديانة، النظام الذي يتبنّى فيه الرابح ديانة المغلوب، وهو النظام التركي الذي يميّز بين الناس على أساس الدين، لا يمكن ان يعاد أبداً. السبب الثاني هو نسيان الغازين للغتهم الأصليّة. أحفاد كلوفيس، آلاريك، غوندبو، ألبوين، رولون كانوا يتحّدثون الرومانيّة. هذا الأمر كان نتيجة خاصيّة مهمّة وهي أنّ الفرنسيين، البورغانديينواللومبارديينوالنورمانديين كان معهم نسبة قليلة من النساء من نفس عرقهم. لأجيال متعدّدة، لا يتزوّج الزعماء الاّ من نساء جرمانيات ولكن عشيقاتهم كنّ لاتينيات، مرضعات الأطفال لاتينيات، كلّ القبيلة تتزوّج نساء لاتينيات ممّا ادّى الى عدم وصول اللغة الفرنسيّة الى الأراضي الرومانيّة. لم يكن الوضع هكذا في أنجلترا لأنمّ الاحتلال كان معهم من دون شك نساء. سكان بروتان فرّوا. لذلك، لم تكن اللاتينيّة مهيمنة كلغة هناك.

من هنا، يمكن أن نستنتج أنّه، ورغم قسوة الغزو الجرماني فانّهم مع مرور الوقت، فرضوا مسألة الدولة. فرنسا أصبح بشكل شرعيّ اسما لدولة لا يوجد فيها الاّ قلّة من الفرنسيين. في القرن العاشر، في الأغنيات التي تعكس تفاصيل الحقبة، كل سكان فرنسا هم فرنسيّون. فكرة تعدّد الأعراق في فرنسا بديهيّة عند غريغوار دي تور، لا تظهر على العكس عند الكتّاب والشعراء الفرنسيّين بعد هوغ كابيت. اختلاف النبيل والغير نبيل تعمّقت بطريقة كبيرة ولكن الاختلاف ليس اثنيّا بل على مستوى الشجاعة، العادات، والتعليم الذي يمرّ عبر الوراثة. الفكرة القائلة بأنّ كل هذا قادم من الغزو لا تراود أحداً. النظام الخاطئ القائم على أنّ النبلاء يتمتعون بأصلهم من خلال تبجيل من الملك لأجل خدماتهم التي قدموها للوطن، أصبح أمرا ثابتا ودوغمائيا منذ القرن الثاث عشر. الأمر نفسه يعاد تقريبا مع كلّ غزو نورماندي. مع مرور جيلين أو ثلاث أجيال، الغزاة النورمانديون لا يتميّزون عن بقيّة السكان. وهيمنتهم لم تكن كبيرة فقد أعطوا للبلدان المحتلّة طبقة نبيلة، عادات عسكريّة وشعور وطني لم يكن موجودا من قبل. النسيان، وحتّى الخطأ التاريخي، هي عوامل في خلق دولة. وهكذا، يكون تطوّر الدراسات التاريخيّة خطرا على الدولة والجنسيات. فالتَّحقِيقْ التّارِيخِي يسلّط الضوء على أعمال العنف التي حدثت وكانت سببا في تشكّل التجمعات السياسيّة حتّى تلك التي كان لها جانب مضيء. الوحدة تكون دائماً راديكاليّة. توحيد فرنسا الشماليّة وفرنسا دي ميدي جاء نتيجة مجازر ورعب لمدّة أكثر من قرن. ملك فرنسا، إذا صحّ التعبير، العنصر الأهمّ في عمليّة التجميع. هو السبب في الوحدة الوطنيّة وهو أيضا، إذا حاولنا التمعّن، فاقد لشيء من هيبته لأنّ الدولة التي ساهم في خلقها عاقبته. واليوم، وحدهم المثّقفون من يعون قيمته الحقيقيّة وما فعله.


في ظل هذه الظروف أصبح تاريخ أوروبا دقيقا. في العمليّة التي نجح فيها الملك بهيمنته وعدله، فشل الكثيرون. تحت حكم سانت ايتيان، الماغايار والسلاف ظلوا مختلفين لمدّة 800 سنة. بيت هابزبورغ فشلت في عمليّة جمعهم وصهرهم وظلوا مختلفين ومتعارضين. في بوهيميا، العنصر التشكي والعنصر الألماني مختلفان كالماء والزيت. سياسة تركيا في الفصل بين الجنسيات على أساس الدين كان لها تأثيرا أخطر: سبّبت انهيار الشرق. خذوا مدنا مثل سالونيك أو سمير، ستجدون خمسة أو ستّة تجمّعات لكلّ منها ذكرياتها ولا تشترك في أيّ شيء تقريبا. في حين أنّ أصل الدولة هو أن يكون للجميع أشياء كثيرة مشتركة وأن ينسوا أيضا العديد من الأشياء. لا يوجد مواطن فرنسي يعرف ان كان بورغاندي، آلان، تايفال، فيسيغوت. كل مواطن فرنسي عليه أن ينسى بيت لحم، مجازر الميدي. لا يوجد في فرنسا عشر عائلات يمكنها أن تقدّم دليل على أصلها. وحتّى هذا الدليل سيكون صعب الاثبات لأنّ التقاطعات لغير معروفة ستعيق أنظمة اشتغال الجينيالوجيين.


الدولة الحديثة هي النّتيجة التاريخيّة لمجموعة من الأحداث التي كانت في نفس الاتّجاه. في بعض الأحيان، كانت الوحدة تتمّ عبر الامبراطوريّة كما هو الحال مع فرنسا. وفي بعض الأحيان الأخرى، كانت عبر الإرادة المباشرة للجهات كما هو الحال بالنسبة لهولندا، سويسرا، بلجيكا. وأيضا عبر الاتّجاه العام الذي التحق برغبات الأقطاع كما هو الحال بالنسبة لإيطاليا وألمانيا. لطالما كانت رغبة في الوجود ترافق هذه التَّشكِيلات. المبادئ فِي حالات ممثالة، تتشكّل بمفاجآت. رأينا، الآن، إيطاليا موحّدة بفضل خساراتها وتركيا مشتّتة بسبب انتصاراتها. كلُّ هزيمة كانت تساهم في تقدّم الأعمال في إيطاليا. في حين كان كل انتصار يضرّ تركيا. لأنّ إيطاليا دولة وتركيا، بخلاف آسيا الصغرى، ليست مثلها. من أمجاد فرنسا، بفضل الثورة الفرنسيّة، أنّها أعلنت نفسها دولة موجودة. لا يجب أن نستاء من كوننا مقلَّدون. مفهوم الدولة بدأ معنا.


لكن ما معنى الدّولة؟ لماذا تُعتبر هولندا دولة على عكس هانوفر أو بارما؟ كيف تصرّ فرنسا على أنها دولة حتّى بعد غياب المبدأ الذي أسّسها؟ كيف تكون سويسرا بثلاث لغات، ديانتين وثلاث أو أربعة أعراق، دولة على عكس التُّوسكان، مثلًا، بتناغمها. لماذا لا تعتبر النمسا دولة؟ ما الذي يميّز مفهوم الجنسيّات عن مفهوم الأعراق؟ هذه مجموعة من النّقاط التي يمكن لأيّ فكر نقدي أن يفكّر فيها ليكون في تناسق مع ذاته. أمور العالم لا يمكن إصلاحها بالتفكير ولكن المهتمّين يريدون أن يزيحوا الغموض الذي تضيع فيه النفوس السطحيّة.

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles