• Wodhoo7 Original

الشّعب يريد | حديث في الاستبداد والاستبداد المقنّع

Updated: Apr 7


إنّ مسألة الاستبداد مسألة راهنة في عالمنا السياسي الحديث إذ نذهب عادة إلى أنّ مفهوم الاستبداد هو النقيض المباشر لمفهوم الديمقراطية وليدة عصر الأنوار والحداثة، وعادة ما نقسّم الأنظمة السّياسيّة ونصنّفها على ضوء هذا الثنائي المفهومي المتناقض ظاهرا.


إلّا أنّ هذا التّقسيم الثنائيّ لا يستقيم دائما إذ أنّ الاستبداد في جميع مجالاته هو "علامة على فشل مشروع الحداثة والأنوار" - كما يذهب إلى ذلك بعض المفكرين المعاصرين- إن لم نقل إنّه نتيجة طبيعيّة لما جاء به هذا المشروع.

نطرح على هذا الأساس هاتين الإشكاليتين المحوريّتين :

  • ماهي الآليات والمفاهيم التي قام عليها الفكر الحداثي والتي أدّت ممارستها إلى إرساء مفهوم الاستبداد خاصّة في المجالين السّياسي والاقتصادي؟

  • هل يرتبط مفهوم الاستبداد ضرورة بمشروع الحداثة والتنوير أم أنّه نظام "يفتكّ" مشروعيّته بالممارسة ولا يحتاج ضرورة إلى سند مفهوميّ فكريّ فلسفي؟ فينتفي بذلك الرّبط الآلي بين الحداثة والاستبداد واعتبار الاستبداد نتيجة مباشرة لثغرات مشروع الحداثة؟

يكتسب مفهوم الاستبداد دلالات متنوعة لغويّا تُجمع على أنّه يعني التّفرّد في الرّأي والتّمسّك بالرّأي الواحد ومحاولة فرضه على الآخر قوّة وعسفا، ورغم أنّ مجالات ممارسة الاستبداد متنوّعة ومختلفة إلّا أنً, الإجماع الاصطلاحي يعطي لهذا المفهوم بعدا أساسيا هو البعد السياسي ومجاله ممارسة الحكم على نحو يقدّس الرّأي الواحد وينشره ويفرضه بوسائل شتّى. فليس الاستبداد مفهوما مجرّدا بقدر ماهو ممارسة وفعل. ويذهب الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد إلى أنّ الاستبداد هو السبب الرّئيس في تخلّف الأمم وانهيار الحضارات لما للممارسة السياسية من أثر كبير في مختلف مجالات الاجتماع المدني كالاقتصاد ونمط العيش ومختلف القوانين والقواعد التي تحكم المجتمع الإنساني.


ورغم أنّ ممارسة الاستبداد في الحكم قديمة تاريخيّا (إذ نجد معالجة لهذه المسألة منذ اللّحظة الأفلاطونيّة وصولا إلى كتابات ماكيافلي وهوبز) فإنّ الاستبداد في العصور الحديثة قد وجد له سندا ومشروعيّة مفهوميّة وقانونيّة أقوى وأشدّ بأسا من مشروعيّة العنف واكتساب المال والعتاد اللّأزمين لتسيير شؤون الرّعايا وفق الهوى.


ذلك أنّ مفهوم الاستبداد في المجتمعات الحديثة قد غنم ممّا أتت به فلسفة الأنوار من مفاهيم تخصّ الممارسة السّياسيّة وخاصّة مفهوم الدّيمقراطيّة بما هي ثمرة عقد اجتماعيّ تُفوّض فيه سلطة الأفراد داخل المجتمع لصالح ممثّليه الذين يمارسون السّلطة باسم الشّعب، أو بالأحرى باسم الأغلبيّة من ذلك الشّعب، وفق قوانين وضعيّة تخدم "المصلحة العامّة". تفترض الممارسة الدّيمقراطيّة إذن –نظريّا- أن يتمتّع كلّ فرد من الشّعب بالحرّية اللازمة ليمارس حقّه في الاختيار عن طريق الانتخاب.


إنّ هذه الممارسة الدّيمقراطيّة مثاليّة على المستوى النّظري. وقد أثبتت الممارسة أنّها تفتح الباب أمام أنواع أخرى من الاستبداد المقنّع. فلم يعد الحاكم المستبدّ هو الحاكم بهواه الفارض إرادته بالقوّة والعنف والتّخويف من العقاب والبطش صراحة، بل هو الحاكم الذي يوهم الشّعب بأنّه حرّ الإرادة قادر على صنع القرار ثمّ يوجّه الرّأي العامّ مستعينا ب"جيش" من نوع خاصّ، هو جيش البروباغندا بفروعه المختلفة في مجالات الإعلام والتّعليم والتّشريع، ويربط علاقات مصلحيّة مع أصحاب الأموال والاستثمارات الكبرى. فيستحيل بالفصل الظّاهر بين السّلطات قناعا يُخفي التّلاعُبَ بالقوانين، بل تُصبح القوانين سلاحا في يد الحاكم يطوّعها لتوجيه الرّأي العامّ ولتقييد الحريات وتغليب رأي الأغلبية على مصالح الأقلية. وتتداخل المصالح السياسية بالمصالح الاقتصادية، على نحو سلس غير مستفزّ، فتنساق الأغلبيّة وراء من يمثّلها لا خشية من ضرب الأعناق في السّاحات العامّة كما جرى الحال في الامبراطوريات القديمة، ولكن إيمانا منها بأفكار لا تمثّلها ضرورة وإنّما فُرضت فرضا بقوّة القانون والبروباغاندا التي تقوم بعا عادة النّخبة المثقفة الموالية للسلطة مقابل امتيازات متعدّدة.


نفهم على ضوء ما تقدّم كيف أدّى فكر الحداثة والأنوار القائم على مفاهيم مثاليّة كالحرّية والعدالة والديمقراطية إلى ممارسات بشعة كالاستعمار السياسي باسم نشر القيم المثلى وخدمة مصالح الأغلبية.


ونفهم أيضا على ضوء ما ذكرنا سابقا كيف تحوّل مفهوم الحرية في المجال الاقتصادي إلى غلبة القويّ على الضعيف بسبب قوانين لا تخدم إلّا أصحاب رؤوس الأموال وتجعل منهم أصحاب القرار وأسياد السوق الحرّة، ممّا أدى إلى تضخّم رؤوس الأموال وإلى تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامّة، وفي ذلك عودة وفيّة إلى مفهوم الاستبداد بما هو تغليب الخاصّ على العامّ وفرض الرّأي الواحد بالقوّة.


ولا يخفى علينا أنّ هذه الممارسات المستبدّة أدّت مباشرة إلى الاستعمار الاقتصادي عن طريق إرساء شركات متعدّدة الجنسيات عابرة للأقطار تغزو أسواق البلدان الضعيفة سياسيا وتُغرقها وتستغلّ ثرواتها باسم التّبادل الحرّ.


هل يعني ذلك أنّ مشروع الحداثة والأنوار قد فشل في تحقيق أهدافه من إرساء مجتمعات حرّة مثاليّة؟ وهل أنّ عودة الاستبداد في أشكال مختلفة إلى قلب الحياة العامّة دليل على محدوديّة مشروع الأنوار؟


إنّنا إذ نسلّم بوجود ثغرات في مشروع الأنوار أدّت إلى عودة الاستبداد مقنّعا في وجوه جديدة، فإنّنا ننتبه إلى أنّ ذلك ليس علامة على فشل قطعيّ لما جاء به فكر الحداثة، وإنّما هو علامة على فشل ممارسات خاصّة حاولت أن تُطوّع المفاهيم الكبرى لفكر الأنوار لتعطي شرعيّة للممارسات السياسية القائمة على الاستبداد. ليس الدّاء إذن في فلسفة الحداثة ذاتها وإنّما في طرائق تنزيلها على الواقعين السياسي والاقتصادي بتفرعاتهما.


إنّ جوهر مشروع الحداثة هو الإيمان بالفكر النّقديّ الحرّ، وهذا الفكر النّقديّ هو الضامن الأساسيّ لإرساء الدّيمقراطيّة ولإسقاط المستبدّ تحت غطاء ديمقراطيّ ولتجاوز الفكر الاستبداديّ ووضع حدود له، وهو الكفيل أيضا بنقد مشروع الحداثة نفسه لتطويره وتجاوز ثغراته، ونعتبر أنّ مبادئ مشروع الحداثة - وهي أساسا العدالة والحرّية وكونيّة حقوق الإنسان – هي المعيار الأوّل لسنّ القوانين وتنظيم أشكال الحكم.


إنّ ممارسة الاستبداد، ختاما، سابقة تاريخيا لمشروع الحداثة وراسخة في حياة الدّول، وليس مشروع الأنوار سوى محاولة للحدّ من الاستبداد ولاحتوائه وتطويقه. فلا تكون مقاومة الاستبداد إذن – في تقديرنا- برفض مشروع الحداثة والتسليم المطلق بفشله، وإنّما بنقده وتطويره حتى يكون أقدر على صدّ الاستبداد الفكري والسياسي والاقتصادي وأقدر على فتح المجال أمام الإبداع الحرّ والفكر النّقدي البنّاء وخاصّة على احترام حقوق الإنسان في كونيّتها دون أيّ نوع من أنواع التمييز. يبقى إذن مشروع الحداثة مشروعا مثاليّا لا يعكسه واقع العولمة والحروب والأوبئة الذي نعيشه إلّا على نحو مشوّه.


أ.هالة العتيري

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles