• Wodhoo7 Original

تاريخ البغاء في تونس

منذ أن كانت تونس عاصمة للدولة الحفصيّة في الفترة الممتدّة بين 1228 و1573 ميلاديّ، وهي تُعتبر أرضا شاسعة للمتع و”الفسوق”، حيث عرف المجتمع الحضري خلال تلك الفترة البغاء الأنثويّ وحتى الذكوريّ، وكان الرجال الذين يمارسون الجنس بمقابل ماديّ يوصفون بـ”المُخنّثين”. قليلة هي البحوث والدراسات والوثائق حول هذا الموضوع، ولكنّ الثابت أن تنظيم البغاء في بلادنا بدأ منذ العهد العثمانيّ وهو ما ذكره المؤرّخ أحمد ابن أبي الضياف في كتابه “إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان”، في حديثه عن “المزوار”. والمزوار هو منصب إداريّ يُكلّف صاحبه بمراقبة الرعيّة وجمع الضرائب منها، وكان المزوار يُلزم عاملات الجنس بدفع الضرائب أكثر من غيرهنّ، وبتزايد أعدادهنّ ستتضاعف بالضرورة الأموال التي ستُسكب في خزينة الدولة، لذلك عمل المزوار على توسيع دائرة البغاء لأغراض جبائيّة بحتة.


وقد استغلّت فيما بعد دولة البايات الوضع باحتواء هذا النشاط ضمن الدورة الاقتصاديّة للبلاد نظرا إلى مردوديّته الجبائية العالية، رغم مطالبة رجال الدين آنذاك بمنع البغاء وبيع الخمر في تونس. يمكننا القول أن الدّين كان مجرّد غطاء لهذا النشاط الجنسيّ ولم يكن القاضي الشرعيّ يتدخّل في المسألة بل كان خاضعا إلى السلطة السياسيّة، وهو ما ذكراه دلندة الأرقش وعبد الحميد الأرقش في كتابيهما باللغة الفرنسيّة “المهمّشات في أرض الإسلام” والذي يعدّ مرجعا مهمّا يُؤرّخ في جزء منه للبغاء في تونس. أصبح البغاء في فترة الاحتلال الفرنسيّ مُنظّما بشكل رسميّ عبر إصدار مرسوم في 30 أفريل 1942 يحتوي على أكثر من خمسين فصلا وصدر بالرائد الرسمي التونسي في 5 ماي 1942. وقبل إصدار هذا المرسوم الذي لم يتمّ تنقيحه ولا إعادة النظر فيه منذ ذلك التاريخ، أصدرت السلط البلدية والمسؤولة آنذاك عن عاملات الجنس، أمرا في 16 مارس 1889 يسمح بممارسة الجنس بمقابل ماديّ في منازل بعينها. هذا وتجدر الإشارة إلى أن البغايا كان يُفرض عليهن كل أسبوعين القيام بفحوصات طبية إلزامية وذلك في محاولة لوقف انتشار مرض الزهري (Syphilis) .



جغرافيا المواخير

كانت بيوت المتعة في تونس تُقسّم وفقا لدين العاملات فيها وعرقهنّ وجنسيّتهنّ، حيث كانت هناك بيوت مُخصّصة لعاملات الجنس من أصول مغربيّة وجزائريّة واللاّئي كنّ يمثّلن أقليّة بالمقارنة مع الجنسيّات الأخرى الإيطالية والفرنسيّة. وبالعودة إلى سنوات ما قبل تاريخ منع الرّق في 6 سبتمبر 1841 بأمر من أحمد باي الأوّل، نجد أنه كان هناك بمنطقة باب جديد زنقة تُسمّى “بوسعدية” الحاضر بقوّة في المخيال الشعبيّ والمُرتبط بالزنوج القادمين من برنو (شمال شرق نيجيريا)، يقطنها السود في تلك الفترة. وقد تحوّلت بعض المنازل إلى بيوت متعة وكانت نساء تلك الزنقة يوظّفن الأساطير والحكايات الخياليّة لجلب أكبر عدد ممكن من الحرفاء، حيث كنّ يروجّن لفكرة سائدة مفادها أن ممارسة الجنس معهنّ شفاء لكلّ داء.

أمّا بالنسبة إلى اليهوديّات فكان لزام عليهنّ تقديم خدماتهنّ الجنسية في عبد الله قشّ دون غيره من المواخير، وكانت عاملات الجنس المسلمات يُمنعن من دخول هذا الماخور ليتحوّل مع مرور السنوات إلى مكان عملهنّ الوحيد.

من المهم أن نذكر أنه قبل تحويل بعض الأنهج إلى أماكن خاصّة بالبغاء كانت هناك عائلات لا علاقة لها بهذا النشاط تقطن جنبا إلى جنب مع عاملات الجنس مثل زنقة بن نعيم، إلى جانب أنهج أخرى وسط المدينة العتيقة طُردن منها من قبل سكّانها من العائلات المحافظة.


يذكر المفكّر التونسي والباحث في علم الاجتماع عبد الوهاب بوحديبة في كتابه باللغة الفرنسية “الجنسانية في الإسلام” أن تونس بين سنوات 1930 و1940 كانت تحتوي على خمسة أنهج مُخصّصة للبغاء وهي سيدي عبد الله قشّ وسيدي بيان ومحجوب والفرس وصالح بن عصمان، وأن حوالي 300 عاملة جنس كن يشتغلن بهذه الأنهج. كما ذكر أن “بيوت المواعيد” في تونس كانت مُخصّصة أساسا للبغاء الذكوريّ، حيث كان هناك ماخور اسمه سيدي علي واكي يشتغل فيه فرنسيّ وإيطاليّ يرتديان لباسا نسائيّا ويقدمان خدماتهما الجنسيّة لحرفاء معيّنين بخمسة فرنكات وقد يصل الثمن إلى عشرة فرنكات حسب نوعيّة الخدمة المُقدّمة والوضع الاجتماعي للحريف.

ومعلوم أن أغلب الأنهج المُخصّصة لعاملات الجنس تحمل أسماء أولياء صالحين مثل سيدي عبد الله قشّ وسيدي بن نعيم وسيدي بيان وسيدي عيّاد وسيدي بومنديل وسيدي زهير. هذا التمازج بين المقدّس والمدنّس يحتاج في حدّ ذاته إلى بحث مُفصّل يحفر عميقا في علاقة المومسات بالأولياء الصالحين. ربّما تجد المومسات في الزوايا ملاذا لهنّ من عالم مُثقل بالأحكام والتعقيدات، فيشعلن شمعة تبرّكا بهذا الوليّ أو ذاك حتى يحميهنّ من السوء، ولعلّ السيّدة المنوبيّة من أكثر الأولياء قُربا منهنّ خاصّة وأنّها في فترة من حياتها اتهمت بأنّها على علاقة بسيدي بلحسن الشاذلي معلّمها الروحيّ، وقد رفضت الزواج بعد ذلك رغم محاولات والدها.

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles