• Wodhoo7 Original

تسوّل الأطفال: بين غياب العائلة وتقصير السّلطة؟


تسجّل الإحصائيات المنشورة عن اليونيسيف أو المنظمات العالميّة المهتمّة بمعضلة الفقر في العالم، وخاصّة فيما يتعلّق بالأطفال، نسباً مرتفعة سنة بعد سنة. وقد تعدّد الحلول المطروحة على المدى البعيد والمتوسّط وحتّى القريب، لكن اللافت أنّ أيا من هذه الاقتراحات لم تقدّم حلاّ جذرياّ للمشكلة.


والبلاد التونسيّة، ليست بمعزل عن هذا السياق العالمي، فنسب الفقر في ارتفاع محموم وهو ما ولّد عديداً من المشاكل الأخرى التي تعاني منها الحكومات المتعاقبة وتحاول أن تجد حلولا دون جدوى. من أهمّ هذه المشاكل، هي الانقطاع المبكّر عن الدراسة الذي يؤدّي الى ارتفاع نسب الجريمة أو الاتّجاه نحو التسوّل وهي الظاهرة التي تفاقمت بعد الثورة وتعدّت أشكالها وأساليبها وطرق ممارستها.

في هذا المقال، سنحاول رصد أهمّ جوانب هذه الظاهرة أسبابها كما سنسلّط الضوء على علاقة المواطن التونسي بالظاهرة وكيفيّة النظر لهؤلاء المتسولين الصغار الذين من بينهم من قَبِلُوا أن يتحدّثوا (بأسماء مستعارة) عن عائلاتهم وظروفهم ومُعَانَاتِهِم وعن الروتين اليومي الذي يمرّون به وكيفيّة توزيع الأماكن فيما يعتبرونه هم عملهم وقوتهم اليوميّ.



يعَلِّمُنَا الشَّارع: غياب العائلة وانقلاب المفاهيم


يمكن للمتجوّل في العاصمة التونسيّة، أن يلمح في أغلب شوارعها مجموعة من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم العشر سنوات. ذكورا واناثاً بملابس رثّة يوزّعون الحلوى أو المناديل الورقيّة ولا يتوانون في طلب المال مع التوسّل للمارّة الذين يمرّ أغلبهم دون القاء بال لهؤلاء. يشترك هؤلاء الصغار في نقطة وهي ظروف عائليّة صعبة ومعاناة من الفقر ألقت بهم في أحضان الشارع. لكنّهم يختلفون في طريقة الاشتغال أو التعامل مع الشارع. فبعد التركيز على المسألة، يمكن الاستنتاج أنّ التسوّل يمكن أن يكون للحسا ب الخاص أي أنّ الفتى/ الفتاة يأتي منذ الصباح الباكر الى وسط العاصمة ويتنقّل من مكان الى آخر حسب حركيّة الأمكنة و"سخاء" المارّة. هذا ما أكّده عُمَرْ (11 سنة):" أبقى هنا (في أحد ألأنهج المتفرّعة عن شارع الحبيب بورقيبة) من السابعة صباحا الى التاسعة أو ربّما العاشرة في بعض الأحيان أغيّر المكان بعد ذلك. تعوّدت هذا الأمر، لا أملك حلاّ آخر سوى التسوّل، أنا وأختي نحاول أن نجمع مالا يكفينا لكيلا نموت من الجوع. أذهب في بعض الأحيان الي مطعم في نهج بن خلدون (نهج في وسط العاصمة فيه العديد من المطاعم) صاحبه يعطينا أكلا في بعض الأحيان. في الصيف لا سمثّا الأمر مشكلا كبيرا فالشوارع تبقى مزدحمة حتى وقت متأخّر، مع حلول الشتاء، تبدأ المشاكل عادة ما نحتمي بالجسور أو مداخل العمارات."


اللاّفت أنّ عمر أكّد أنّ هناك مئات الأطفال مثله وفيهم المنتمون الى نفس العائلة وأغلبهم يسكنون بعيدا عن العاصمة. من خلال مرجعيات عمر وحتّى ثقته ونظرته للعالم، يمكن أن نتأكّد أنّ انقلاب المفاهيم المجتمعيّة صار أمرا بيّنا فيما يتعلّق بهذه المسألة. فالعائلة في بعض الأحياء لم اعد هي النواة الأولى التي ينشأ فيها الصغير، فقد عوّضها الشارع في غياب مريب للدولة خاصّة وأنّ هؤلاء الأطفال متواجدون بجانب دوريات أمنيّة وفي بعض الأحيان تراهم حتّى أمام مقاه أمام وزارة الداخليّة. الحقيقة أنّ هؤلاء الأطفال، رغم تردّي الأوضاع، الاّ أنّ أغلبهم لهم منزل وعائلة يمكن أن تكون نقطة رجوع في حالات الخطر التي يمكن ان يهدّدهم. لكنّ الفئة الثانية التي تُلاحَظُ من المتسولين الصغار هي هؤلاء الذين يشتغلون لحساب جماعات منظّمة لا نعرف عنها شيئا. وهو ما يؤكّده فراس (14 سنة)، " العائلة لا تعني لي شيئا، عندما أرى أطفالا مع عائلاتهم، وهم يمرّون بالمئات يوميا، أشعر أنني لا أنتمي الى هذا العالم، أنّني محاط بمجموعة من الأبناء الذين أشترك معهم في نقطة وحيدة هي السن."


وعن غياب الأسرة وضرورة تحصيل مبلغ من المال يوميا تقول فادية (8 سنوات) أنّها لا تملك عائلة ولم تذهب يوماً الى المدرسة لأنّها تشتغل ببيع المناديل الورقيّة وفي أغلب الأحيان تتسوّل بدونها لأنّ ذلك أنجع على حدّ تعبيرها. "المناديل الورقيّة والحلوى أبيعها للمارّة ولكنّها مجرّد سبب للتقرّب منهم وشرح وضعيّتي لعلّي أحصل على بعض المال. في بعض الأحيان، أطلب خبزا أو قارورة ماء."


هذه الفئة من المتسولين الصغار تشتغل ضمن مجموعات منظّمة يشرف عليها مجموعة من الأفراد الذين يوزعونهم ويتولّون عمليّة الرقابة في أغلب الأحيان وهو ما يمثّل جريمة يعاقب عليها القانون وخرق واضح لما جاء في المادّة 25 ثانياً من الاعلان الأمم المتّحدة لحقوق الانسان (1948) ولما جاء في مجلّة حماية الطفل بما أنّ هذا يُعتبر استغلالا لقصَّر مع غياب تمّ للدولة وهو ما أصبح مشهدا اعتياديا عند المارّة الذين كثيرا ما لا تصدمهم مثل هذه الممارسات وأصبحوا يكتفون بالمشاهدة أو اللامبالاة.



شُغْلُ عِصَابَات: العاطفيّون أَوْلَى بالتحيّل


تبدو الإشارة الى تأثير هذه الظاهرة على المواطنين الذين يرون المتسولين في شوارع العاصمة مهمّة وضروريّة لفهم ديناميكيّة المجتمع التونسي وكيفيّة تفاعله مع هذه الوضعيّات. منير (33 سنة) يرى أنّه من الضروري أن تقف الدولة وقفة حزم أمام هذا التسيّب في حين تعتقد مريم (22 سنة) أنّ هؤلاء الأطفال سواء كان تسوّلهم لحسابهم الخاص أو لصالح مجموعات وعصابات فانّهم مجرّد ضحايا ومن الواجب البحث في الأسباب الحقيقيّة لهذه الظاهرة.


الحقيقة أنّ التعمّق في أسباب تسوّل الأطفال قد يحيلنا مباشرة الى أرقام رسميّة صدرت العام الفارط تشير الى أنّ آلاف الأطفال ينقطعون عن التعليم الابتدائي سنويّاً ولا توفّر لهم الدولة أي بديل فيكون الشارع بالتالي هو الحاضنة الأولى. ومع مرور الوقت، أصيحت الظاهرة لا تمثّل صدمة للمارّة فتكرّر الأمر بات جزءا من الحياة اليوميّة في العاصمة وهو ما ساهم ربّما في تكوّن ردّة فعل لا تحتوي على لامبالاة فقط بل على وصم هؤلاء الأطفال ووصفهم بالمتحيّلين وهو ما يشرحه كريم (45 سنة) " هؤلاء (يقصد المتسولون) هم مجموعة من المتحيّلين الصغار، يطلبون عطف المارّة باحتراف لجن بالمال. الدولة مقصّرة في حقّهم ولكنّ العاطفيّين يسهلون المأموريّة والحل في رأيي الضغط على أصحاب السلطة والنفوذ لإيجاد حلول جذريّة لا اعطائهم المال كلّما سنحت الفرصة"



أطفال بلا مأوى: الأسباب والحلول


التسوّل بصفة عامّة وتسوّل الأطفال خاصّة هو موضوع لم تتطرّق له الحكومات المتعاقبة منذ الثورة الى اليوم. وهو ما أدى الي تفاقم الظاهرة التي تعود أساس الى ضعف الإحاطة العائليّة أو انعدامها وغياب الدولة ودورها الرقابي والحمائي للأطفال القصّر. هكذا يفسّر الأمور مندوب حماية الطفولة بتونس الأستاذ أنيس بن عون. ويواصل شرحه للوضعيّة:" قانون الاتّجار بالبشر الذي تمّت المصادقة عليه منذ سنة 2016 ساهم في التَّقليص من الاستغلال الاقتصادي للأطفال. غير أنّ الأمور أكثر تعقيدا من ذلك. اذ يجب التوضيح أنّ هؤلاء القصّر ينقسمون عادة الى قسمين: ثمّة من يكون له مسكن ولكن يفضّل الاشتغال في الشارع. وثمّة من لا مسكن ولا عائلة له." أمّا عن الجانب المؤسّساتي فانّ السيّد بن عون يؤكّد أنّ تونس اختارت نموذجا يعتمد المراكز المفتوحة. أي أنّ "المراكز التي يتمّ وضع هؤلاء الأطفال هي مراكز لا تشبه السجون أو الاصلاحيات من ناحية الرقابة أي أنّ نسب النجاح في الهروب تبقى مرتفعة وهو ما يحصل في كلّ مرّة." موقف يؤكّده عون أمن، يشتغل في دوريات ليليّة: " الحقيقة أنّني لا أعلم نظام المراكز التي يوضع فيها هؤلاء الأطفال وكنّني أستطيع أن أؤكّد أنّ العديد منهم تم القبض عليهم ومنهم من يسلّ إلى أهله ومنهم من يوضع في المراكز الخاصّة ولكن يعودون الى الشَّوارع في كل مرّة حتّى أنّنا حفظنا وجوههم وعرفنا أغلبهم."


تبدو الحلول الوقائيّة متمّثلة، كما أشار السيّد بن عون، في الجانب الردعي إذا ما ثبت أنّ هناك عصابات تجبر الأطفال على العمل وهو ما يقع تحت طائلة القانون. أما عمّن لا سند لهم ووجدوا أنفسهم في الشارع فتبقى المعضلة قائمة. ولا حلّ أمامنا سوى "توعية النّاس بعدم إعطاء الأطفال المال ومحاولة الاتّصال بالأرقام التي تضعها الدولة على ذمّة المواطن للتّبليغ على حالة وجود أطفال يتسوّلون في الشارع. فالحل يكمن في الاشتغال على تغيير العقليات على المدى البعيد."

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles