• Wodhoo7 Translation

توماس بيكيتي: كلّ مجتمع يخلق خطابا أيديولوجيا لتبرير غياب المساواة - الجزء الأول

توماس بيكيتي: كلّ مجتمع يخلق خطابا أيديولوجيا لتبرير غياب المساواة.


توماس بيكيتي: كاتب فرنسي ومختص في الاقتصاد.

(أنترفيو مع جريدة ليبيراسيون الفرنسيّة)


الميراث للجميع، ضرائب مرتفعة على أعلى المرتبات، تسيير مشترك للشركات: في كتابه الجدي، "رأس المال والأيديولوجيا"، المختص في الاقتصاد الأكثر انتشارا في العالم منذ كتابه "رأس المال في القرن 21"، الفرنسي توماس بيكيتي، يهاجم مسألة الملكيّة الخاصّة لكي يقلب معادلة اللامساواة.


بعد كتاب بيع لأكثر من 2.5 مليون نسخة، كيف يمكن أن يُكتب بعده؟ بعد نجتح "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" الصادر سنة 2013 ومحاضرات في جميع أنحاء العالم، عاد توماس بيكيتي لمكتبه في معهد الاقتصاد ببياريس ليكتب من ماي 2018 إلى ماي 2019، 1200 صفحة حول كيفيّة تبرير الأيديولوجيا، على مرّ التاريخ، لوضعيّة غياب المساواة.


توماس بيكيتي رجل أرقام يؤمن بفاعليّة الأفكار. مختص في الاقتصاد يشتغل عبر التاريخ. بكتابة "رأس المال والأيديولوجيا" أراد أن يبيّن أنّ الأنظمة التي تغيب فيها المساواة، كالذي نعيش فيه، ليسوا حتميّين. وغياب المساواة الاجتماعيّة ليست معطى طبيعي، بل تمّ بناءها في القرن ال21 عبر خطاب قائم على الملكيّة، المبادرة والاستحقاق." لماذا لا نغيّر هذه الوضعيّة؟ هذا ما يقترحه بيكيتي في آخر جزء من كتابه. عدم التوقّف عند ترامب أو مناصري البريكسيت، عدم الاكتفاء بالتشهير بالشعبويّة التي تهدّد الديموقراطيّة الاجتماعيّة، لكن إعادة بناء مجتمع أكثر انصافاً من خلال نزع القداسة عن الملكيّة التي تحكم مجتمعاتنا. هو يدعو كل من يقرأه إلى الايمان من جديد بالمثال الاشتراكيّ. تفاؤل؟ هو يؤمن بهذا الأمر ويقدّم عملا ضخما حول الأساس الأيديولوجيّ لغياب المساواة.



تنشر كتابا-بحثا ب1200 صفحة حول غياب المساواة الاجتماعيّة والذي تلخّصه في جملة واحدة في المقدّمة: اللامساواة ليست تكنولوجيّة أو اقتصاديّة، هي أيديولوجيّة سياسيّة. ماذا تقصد؟


في الكتاب، أحاول أن أبيّن أنّ غياب المساواة هي قبل كل شي بناء أيديولوجيّ وسياسي، أنّها هشّة سواء كان ذلك في الماضي أو في الحاضر. نعيش اليوم بفكرة أنّ اللامساواة سابقا كانت اعتباطيّة ونحن اليوم في عالم أكثر ديموقراطيّة أين تكون اللامساواة مُبَرَّرة. لكنّ هذه الرؤية غير صحيحة لأنها نتاج أفكار نخبويّة تدّعي أنّ اللامساواة أمر طبيعي ولا يمكن تغييرها الاّ من خلال كوارث.

في الحقيقة، كل مجتمع، يكون أمام حتميّة خلق خطاب يبرّر اللامساواة التي لا يمكن أن تكون طبيعيّة. هذا الخطاب اليوم، يمجّد الملكيّة، المبادرة والاستحقاق. اللامساواة الحديثة تكون مبرّرة لأنّ كلّ فرد، على المستوى النّظريّ، له نفس حظوظ الآخرين للوصول للسوق وللملكيّة. طرح يظهر تهافته منذُ تزايد اللامساواة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في كل أنحاء العالم منذ الثمانينات والتسعينات.


من أهمّ عناصر هذا الخطاب هو قداسة الملكيّة...


نلاحظ مجموعة من أشكال التقديس للملكيّة التي تذكّرنا، في بعض الأحيان، اللامساواة الفادحة في القرون الماضية. في القرن 15 مثلا، عندما تمّ الغاء العبوديّة، كان هناك اقتناع عند العديد، مثل توكفيل، بضرورة التعويض للمالكين وليس للعبيد الذين اشتغلوا لقرون دون مقابل. الحجّة: اذا لم يوجد تعويض، كيف تمكن أن نفسّر لشخص أنّه يتوجّب عليه إعادة شي تحصّل عليه بطريقة قانونيّة في ذلك الوقت. ماهي وضعيّة شخص باع عبيدا في تلك الفترة لسنوات، والآن هو يملك عقارات وأموال؟ هذا التقديس للملكيّة والخوف من الفراغ ما ان نناقش المسألة تجعلنا ندافع عن مبادئ الملكيّة بقطع النظر عن مصدرها. وهو أمر نجده اليوم مع مالكي المليارات. الثروات الفرديّة تصل إلى 10 مليار يورو منذ 15 سنة. الآن تصل إلى 100 مليار.


نحن إذا في عملية تقديس للملكيّة...


هذا الخوف يعيق حلّ مجموعة من المشاكل، كالانحباس الحراري وبصورة أشمل، الحصول على نظام اقتصادي مقبول من أكبر عدد ممكن من الأفراد. هذا التركيز على الملكيّة وتقديسها، خطر على المجتمعات. في فرنسا، كما في المملكة المتّحدة، خلال الثمانينات، انتقلنا من نظام يراهن على الدولة والتأميم كوسيلة لتجاوز الرأسماليّة إلى.. لا شيء. هذا التغيّر المفاجئ نحو الليبراليّة مع سقوط جدار برلين ونهاية الشيوعيّة، قبرت أيّ محاولات لإعادة التَّفكير في الملكيّة.


تاريخ غياب المساواة الذي تعود عليه في كتابك يظهر أنّه، خلال حقب معيّنة، لم يكن هناك تردّد في إعادة التفكير في مبادئ الملكيّة.


التاريخ يبيّن أنَّ الأيديولوجيات تنتهي إلى عمليّة مساءلة وبعد ذلك يتمّ تعويضها. في الماضي، تمّ التمكّن من تجاوز هذه القداسة. بعد الحرب العالميّة الثانية، كنّا بحاجة للاستثمار في البنية التّحتيّة. بلدان مثل ألمانيا واليابان وضعوا أنظمة ضرائب تدريجيّة على الملكيّة وهو ما مكّن من تقليص التداين والتوزيع الاقتصادي. هذه التجارب الناجحة التي تمكّن من النمو ما بعد الحرب، يثبت أنّ الرخاء الاجتماعي للجميع يتحقّق عبر الاستثمار في التعليم والانصاف لا عبر تقديس الملكيّة. للأسف، أصبحت هذه التَّجارب في غياهب النِّسْيَانْ. أريد أن أوضّح أنّه يوجد عمليّة تجاوز للملكيّة وللرأسماليّة. عرفت فترات تسارع، وقوف وحتّى تراجع في الثمانينيات والتسعينات. ولكن يمكن أن نعيدها. الأمر غير محسوم، كل فرد يمكنه أن يقوم بتبنّي هذه النقاط. تجاوز الملكيّة الفرديّة ليس أمرا طوباويّا وهو يأتي كعنصر من مشروع بناء مجتمع أكثر انصافا.


لكن الأيديولوجيا التي تدافع عن الملكيّة قويّة. من سيتخلّى عن ممتلكاته؟ لا أحد. حتّى الذي يملك القليل.


أنا أدافع عن فكرة أننا يمكننا أن نتجاوز الملكيّة الخاصّة بخلق نوع جديد من الملكيّة الاجتماعيّة والوقتيّة. كل مال، شركة أو بناية تجمع العديد من الأطراف. الموظّفون أو السكان يجب أن يشاركو في تسييرها مثل مالكيها. هذا ما يحدث فعلا منذ مدّة طويلة في ألمانيا، أين تكون نصف أصوات المجلس الإدارة لممثّلي الموظّفين. لكن يجب أن ندفع أكثر بالتحليل ونتخيّل أنظمة فيها حدود في حق التصويت لمالكي الأسهم الفرديّة في الشركات الكبرى. فمن الطبيعي أنّ الشخص صاحب رأس المال في شركة بها 10 موظّفين يكون أكثر نفوذا من الموظّف الذي جاء منذ مدّة قصيرة يمكنه أن يذهب ليستقلّ بمشروعه الخاص. نفس الشيء بالنسبة لشركة تضمّ 100 موظّف، يمكن أن نتخيّل حدّا ب10 بالمائة على حق التصويت لكل مالك أسهم فردي. هذا سيؤدّي إلى نقاشات أوسع وتداول على السلطة وتبادل للأفكار.


أليس هذا ملكيّة بطريقة أو بأخرى؟


الملكيّة تكون دائما اجتماعيّة في الأصل. هي حق المالكين وفي بعض الأحيان الدساتير الذي أضفى عليها طابعا مقدّسا. ألمانيا في دستور وايمار سنة 1949 عرّف الملكيّة بطريقة اجتماعيّة: هي قبل كل شيء في خدمة الصالح العام. يمكننا إذا أن نترك امكانيّة للاشتراك في السلطة داخل المؤسسات وتقسيم المساكن حسب الحاجة.


كيف نضمن بقاء رأس المال في نفس الأيدي؟


يجب أن نجعل الملكيّة وقتيّة: لا يجب على نفس الأشخاص احتكار الملكيّة إلى الأبد. أقترح أنّه عندما نتجاوز سقفا معيّنا، يتنازل كل فرد عن جزء لصالح المجموعة. أتخيّل ضريبة متغيّرة على الملكيّة: ستكون ضيعفة (نضع 0.1 بالمائة) للأشخاص المالكين ل 100 ألف أو 200 ألف يورو (أقل ثلاث مرات من الضريبة الحاليّة)، لكن يمكن أن تصل إلى 90 بالمائة لمالكي 10 آلاف مرّة المعدّل العام، يعني 2 مليار يورو. في نظام كهذا سيختفي مالكو المليارات. لكن الملكيّة الفرديّة الصغيرة، ستكون موجودة، تماما كالمبادرة. لأنّ الفكرة القائلة بأنّ أصحاب الشركان لابدّ أن يكونوا مالكي مليارات غير صحيحة عليها ترتكز أسطورة الملكيّة الفرديّة: في الحقيقة أصحاب الشركات الذين لديهم أفكار لا يملكون هذه المبالغ ولا يكونون ثروات والديناميكيّة الاقتصاديّة يتغذّى من نجاحات هذه الشركات الصغيرة. تركيز رأس المال بين يدي عدّة أشخاص ليس نموذجا فعالا ولا يمكن تجاوزه.


أن تأخذ كثيرا من الأكثر غنًى، الفكرة ليست جديدة...


المهم تطبيقها بطريقة ممنهجة. الضريبة المتغيّرة ستصل إلى 5 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، أكثر من الضريبة على المسكن (2 بالمائة)، ستمكّن من إعطاء منحة سنويّة. مثلا في فرنسا، كل الشباب في سنّ 25 سنة سيتلقون 120 ألف يورو وهو ما يمثّل 60 بالمائة من مليكّة الفرد. هكذا نضمن تداولا حقيقيا لرأس المال.


هل سنتخلّى عن فكرة الدخل العالمي؟


لا نتجاوزه. الدخل العالمي أو الدخل الأساسي شيء مهم وأنا أوافقه. لكن إذا أردنا تجوز مسألة الملكيّة والرأسماليّة، يجب أن نتجاوز مسألة الدّخل. الملكيّة هي السلطة الاقتصاديّة. هي امكانيّة المشاركة في حوكمة الشركات، الاستثمار في وسائل الاعلام للبعض، هي عدم قضاء الحياة في دفع معاليم كراء لأطفال المالكين لأنّنا ولدنا أبناء متسوّغين. الدخل مهم طبعا، لكن الاكتفاء به يكون غير متوافق مع مفهوم العدالة الاجتماعيّة. وهذا موجود في التاريخ. لا أقدّم أي جديد. خلال الثورة الفرنسيّة، توماس باين اقترح تَوْزِيعْ مَدَاخِيلْ ضريبة جديدة على الميراث. المختص في الاقتصاد الأنقليزي أنثوني أتكينسون، هو أيضا، منذ سنوات قليلة، اقترح مبلغا لكل شخص عمره 25 سنة. أنا أقترح أمرا أكثر تفاؤلا، من الضريبة على المواريث وضريبة سنويّة على الملكيّة وهو ما سيمكّن من بلوغ مستويات مهمّة. واقعيا، أتنكينسون اقترح 100 ألف يورو لكل شاب، النظام الذي أقترحه يصل إلى 120 ألف يورو. هو شكل من أشكال الميراث للجميع.


مصدر المقال بالفرنسية من هنا

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles