• Wodhoo7 Translation

توماس بيكيتي: كلّ مجتمع يخلق خطابا أيديولوجيا لتبرير غياب المساواة - الجزء الثانى

"ميراث للجميع" أليست هذه نوعا من الديماغوجيا؟


المساواة في الميراث ليست ديماغوجيا ولا تقل أهميّة عن الحق في التعليم. نعيش في مجتمع نصفه لا يرث شيئا: الجزء الأكثر فقرا دخلها 5 آلاف أو 10 آلاف يورو وعادة ما يكون في مرحلة متأخّرة من العمر. هذه حدود الديموراطيّة الاجتماعيّة بمختلف أشكالها: في نظامنا، ال50 بالمائة الأكثر فقرا لا يملكون شيئا وهذا على في جميع الأعمار. لم يحصل في التاريخ أن امتلك الأكثر فقرا أكثر من 10 بالمائة من رأس المال. أنا أقترح اشتراكيّة الميراث لكي يستفيد منه الجميع في سنّ ال 25 ليس في سن ال50. وهو ما يمكّن من تشبيب الملكيّة ومنه السلطة. والحكومة بقراراتها تقدّم هديّة للأفراد الذين تجاوزوا السبعين من العمر. وهو قرار سياسي غريب. إرساء ملكيّة اجتماعيّة ووقتيّة تمكّم من تجاوز النظام الحالي. لا يتعلّق الأمر بإلغاء أي شكل من أشكال الملكيّة لأنّنا لن نمسّ الملكيّة الفرديّة المحدودة. ستظلّ هناك ثروات ببعض ملايين اليورو، لكن البقاء في حدود ملكيات معقولة مع احترام الصالح العام.


لكن فرض هذه التغييرات يتطلّب خطابا جديداً وتحوّلا سياسيا وايديولوجيا جذريّا.


هذا ما حصل دائما على مرّ التاريخ. هذا الخطاب الجديد موجود في جزء منه لن يُخْلَقَ من جديد وهذا ما أحاول أن أبيّنه من خلال تجارب سابقة. اذا تمكّنا من الاتّفاق حول مفهوم "الاشتراكيّة التشاركيّة" سنحقّق تقدّما كبيرا. أرى عديد العوامل التي تدفع في هذا الاتّجاه حتى في فرنسا: في سنة 2013، أدخلنا مكانا للموظّفين في مجالس الإدارة. يكون هذا بدون معنى إذا علمنا أنّ ألمانيا تعطي 50 بالمائة منذ خمسين عاما.


لماذا هذا التراجع والتردّد في بلدنا؟


لأنّنا نعطي أهميّة كبيرة لمثل هذه المواضيع. في السبعينات، نتحدّث عن التسيير الذاتي دون أن نضمّنه في الإجراءات المتّخذة. أخيرا، عندما صعد اليسار إلى السلطة، اتّجه إلى حلّ كلاسيكي: التأميم. لم تكن هناك عمليّة مراجعة جذريّة: عمل يساوي صوت. العلاقة بين السلطة والملكيّة لم تتأثّر كثيرا. لكن يجب أن علينا أن نطرح الموضوع إذا أردنا تجاوز الملكيّة الخاصّة والرأسماليّة واقتراح رؤية جديدة قائمة على الانصاف ذات بعد كوني، أيديولوجيا الملكيّة الاجتماعيّة، التعليم، ومشاركة المعارف. هذه الخطابات الجديدة يجب أن تكون أكثر اقناعاً من سابقاتها لأنّها متجذّرة أكثر في التاريخ.


لكن المسألة لم تُطرح من قبل كما تقدّمها...


لا أوافق. في القرن العشرين، العديد من البلدان قامت بفرض مجموعة من الضرائب المتغيّرة التي تجاوزت 70 بالمائة من العائدات أو المواريث. في الولايات المتّحدة مثلا، قيمة الضرائب على المداخيل بالنسبة للأكثر غنى تصل الى 80 بالمائة وفي بعض الأحيان 90 بالمائة دون أن يعيق هذا الأمر النمو الاقتصاديّ والاجتماعي للدولة. يجب إعادة سلك هذا الطريق الذي تخلى عنه العالم منذ بداية الثمانينيات عند سقوط الشيوعيّة. لم نكن مستعدين للمرور للمرحلة الموالية. المرّة الأولى التي يكون فيها أعضاء من مجموعات سياسيّة قادمين من تقاليد دينيّة مختلفة ويجدون أنفسهم مضطرين للتعايش تحت مبدأ المساواة. هذا لم يكن موجودا حتى الستينات والسبعينات. قبل ذلك، العلاقات الوحيدة التي يتمّ انشاءها مع بقيّة دول العالم هي علاقات استعماريّة. في الجزائر، حتّى الخمسينيات، 90 بالمائة من الميزانيّة المخصّصة للتعليم ينتفع بها المستعمر والذي لا يمثّل سوى 10 بالمائة من الشعب. الجزائر هي البلد الذي نسجّل فيه غياب المساواة مع جنوب افريقيا.


أمام هذا العالم ما بعد الشيوعيّة والرأسمالي، ترى أيضا اخفاقا للديموقراطيّة الاجتماعيّة التي لم تتمكّن من طرح خطاب قائم على الانصاف...


بين 1950 و1980، اعتقدنا أننا أنقذنا المشروع الديموقراطي الاجتماعي عندما قمنا بالحد من رؤوس الأموال وقمنا بإنشاء الدولة الاجتماعيّة في إطار الدولة-الأمّة. لكن سرعا ما انقلبت الأمور في التسعينيات وقمنا بتحرير رؤوس الأموال بدون أي رقابة ودون أن نعلم من يملك ماذا. ووجدنا أنفسنا في وضعيّة الديموقراطيين الاجتماعيين في فترة ما بين الحربين: لم يعد لنا الإمكانيات لتعديل الرأسماليّة. في كتاب أصول التوليتاريّة، تشرح حنا أرندت أنّ مشكلة الديموقراطيين الاجتماعيين في فترة ما بين الحربين سواء كان ذلك في فرنسا، بريطانيا أو ألماني، أنهم كانوا كونيين في الظاهر فقط. لم يفهموا أنّ تعديل الاقتصاد والحد من الرأسماليّة، يمرّ عبر أشكال سياسيّة جديدة. لم يكن لديهم مقترحات لتجاوز الدولة الأمّة في حين أنّ الاتحاد السوفياتي شرع في العمل على مشروع الشيوعيّة العالميّة أو على الأقل الأورو-آسياويّة. الأيديولوجيا النازيّة تريد تجاوز ألمانيا. هذا دون احتساب القوى الاستعماريّة أو النيوكولونياليّة الأوروبيّة ودولها كانت لها بعد كوني. الديموقراطيون الاجتماعيّون كانوا الوحيدين الذين لم يأخذوا على محمل الجد مسألة أنّ رأسماليّة عالميّة تتطلّب سياسة عالميّة. هذا اللوم الذي تلقيه حنا أرندت عليهم يمكن أن نطبّقه في 2019. التحديات التي تطرح في ظل تزايد غياب المساواة.، رفض العولمة، التقوقع على الذات... النموذج الديموقراطي الاجتماعي لم يفكّر في تجاوز الدولة-الأمّة عبر آليات عبر-قطريّة، فالمسألة الشيوعيّة جمّدت التَّفكير في الأمر من هذه الزاوية. هذا النموذج ظهر عاجزا أمام عن التفكير وتنظيم إعادة توزيع التصاعد الجبائي على مستوى دولي.


ترى اليوم أنّنا مازلنا في هذه الأسطورة التي تطرح المساواة، وخاصّة في فرنسا..


هو خطاب نخبوي. في القرن 18، استعملن مسألة المساواة خلال الثورة. في حين أنّ فرنسا هي آخر الدول التي قامت بإرساء الضريبة المتغيّرة على الدخل سنة 1914. مع العلم أنّ الولايات المتحدة واليابان والعديد من الدول الأوروبيّة قاموا بذلك قبلها. وعلى عكس وعود الخطاب القائم على الاستحقاق، نظامنا التعليميّ يتميّز بغياب المساواة. نضع إمكانيات أكبر على الأطفال الذين سيمرون بالمدارس الكبرى والمرموقة أكثر من غيرهم من الطلبة. الجواب: وقع اختيارهم حسب معيار الاستحقاق وليس على الانتماء الطّبقي. مغالطة. مسألة الاستحقاق ستأخذ بعدا آخر مع تزايد عدد الأساتذة في التعليم العالي لأنّ الرابحين من النظام التعليمي طوّروا أيديولوجيّتهم الخاصّة والتي ترتكز على وصم من لم ينجحوا مثلهم. أخيرا، نشرح للطبقات الخاسرة أنّها هي السبب في فشلها.


كفترة الثلاثينيات، الرأسماليّة شارفت على الانهيار في 2008. لكن لا يمكن القول أنّه تمّت مراجعات بعد هذه الأزمة الماليّة العالميّة..


لأنّه، ومن دون شك، لم يوجد التفكير في إعادة بناء الرأسماليّة. الأزمة ساعدت على تخطي المسألة. ربما كنا أقرب إلى انهيار الشيوعيّة وحبيسي فكرة أنّ الرأسماليّة لا يمكن تجاوزها. أعتقد أنّ فكرة اشتراكيّة تشاركيّة وفيديراليّة اجتماعيّة تطرح أكثر من أي وقت مضى. العديد من الأفكار أيضا واردة للأسف، كصعود الاحتقان الأيديولوجي، الذي يتغذي من تدهور الأوضاع وغياب الأمل في اقتصاد عادل. أنا واع بالأمر، وهو ما يحفّزني على المواصلة واقتراح أفكار جديدة.


مصدر المقال بالفرنسية من هنا

مصدر صورة المقالة هي جريدة لوموند الفرنسية

1 comment

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles