• Wodhoo7 Translation

حوار مع هارتموت روزا

ترجمة لحوار بين بيورن شايرمر و الفيلسوف هارتموت روزا.



_________


هارتموت روزا هو عالم اجتماع وفيلسوف ألماني يشتغل على مجموعة من النظريّات والمفاهيم المتعلّقة بمدرسة فرانكفورت.



مقدّمة


حظي عمل هارتموت روزا بشعبيّة كبيرة بين علماء الاجتماع الإسكندنافيين على غرار أكسل هونيث، مؤطّره في رسالة الدكتوراه. ومع ذلك، لم يكن عمل روزا قراءة ضروريّة في مجال الأمراض الاجتماعيّة فقط، ولكنّه أصبح أيضًا مشهورا بشكل متزايد بين المختصّين في علم الاجتماع. إنّ عمله في علم اجتماع عالمي للتسريع وعلى الثقافة الزمنيّة الحديثة ككل، جعله مفكّرا مهمّا في التّقليد النقدي. كتاب روزا الجديد الطموح المتكوّن من 800 صفحة، سيعزّز بلا شك، هذه المكانة. وهدفه تزويد النظرية النقدية بأسس جديدة كليّاً. مؤسّسة تركّز على مفاهيم "الصدى" و "العلاقة العالمية".


المقابلة تتقدّم انطلاقاً من الأعمال السّابقة التي تتطرّق إلى الاشكاليّات المجتمعيّة وصولا إلى الكتاب الأخير حول الصدى. إنّه يتطرق إلى المفاهيم المركزية للعمل الجديد وعلاقته بالتقاليد النقدية والمشهد النظري المعاصر.



ب س: في السياق الاسكندنافي – ربّما يكون الأمر نفسه في ألمانيا - أنت دائمًا معروف، أولاً وقبل كل شيء، لعامة الناس بعملك على التّسارع. أعلم أنه في بلدان الشمال على وجه الخصوص، مجال البحث فيما يسمى بالأمراض الاجتماعية، والذي كان مستوحى سابقًا من أكسل هونيث، أصبح الآن مستوحى أكثر فأكثر من عملك. لنبدأ من هذه المنطقة. كان أكسيل هونيث - مشرف أطروحتك – وبطريقة أو بأخرى، تأثّرت أولى أعمالك بأطروحاته. مفهوم الأعراض الاجتماعيّة مهم لكليكما. إذن، كيف يلهمك هونيث وكيف تتجاوزه؟ هل يمكنك أن تخبرنا كيف تختلف نظرتك للمجتمع المعاصر عن وجهة نظر هونيث، وكيف يختلف استخدامك لمفهوم الأعراض عن نظرته، وربما أيضًا بضع كلمات حول الدّور الذي يلعبه مفهوم التّسارع هنا؟


ه ر: حسنًا، من الواضح أن هونيث له تأثير قوي عليّ، ومصدر إلهام لي، من نواحٍ عديدة. في الواقع، أتيت إلى هونيث كطالب دكتوراه شاب لأنّني أردت أن أكتب رسالتي عن عمل الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، وكان هونيث هو الشّخص الذي قدّم تايلور للسياق الألماني. لذلك بفضله أصبحت اجتماعيًا في تقليد النظرية النقدية في المقام الأول. أثارت نظرية الاعتراف الاجتماعي أثارت إعجابي كثيرًا - محاولتي الأخيرة لتقديم نظرية الصدى هي نوع من رد الفعل على نظرية التّعرف. ربما يمكنني التوسع في هذا لاحقًا، لكن الصدى، بمعنى ما، هو تعديل وتوسيع لمفهوم الاعتراف. لذلك أنت محق تمامًا في القول أنّ تصوري واهتمامي بالظواهر الاجتماعية يعودان إلى هونيث. إلى جانب ذلك، وأنا أتفق هنا أيضًا معه، فأنا أبحث عن نظرية "كلية" اجتماعية وفلسفة أخلاقية "أحادية". بالنسبة لي ولهونيث أيضا، المجتمع ليس فقط مجموع الملايين من العمليات والمؤسّسات المستقلّة، بل هو الكلُّ بمعنى التشكيل الاجتماعي الذي ترتبط أجزاؤه ببعضها البعض بصفة جوهريّة. أنا وهونيث نسعى للحصول على مبدأ أو فكرة معيارية تُمَكِّنُ من تناول قضية الحياة الطيّبة ضمن هذا "الكل". بالتأكيد، ما يربط بيني وبين تايلور وهونيث هو التراث الهيغلي.


ومع ذلك، هناك أيضًا عدد من الاختلافات المهمة. على عكس هونيث، أنا أشككً في التكوين الاجتماعي للحداثة على هذا النحو. بالنسبة لي، هناك أمراض مدمجة في النسيج الاجتماعي الحديث نفسه، بينما بالنسبة لهونيث، يمكن ويجب إنقاذ الحداثة من الأمراض. هنا، على ما أعتقد، أنا أقرب كثيرًا إلى التّقليد القديم للنظريّة النقديّة، إلى مؤلفين مثل أدورنو أو ماركوز. في مقاربتي، تحليل الهياكل الزمنية هو بالضبط السبيل للوصول إلى قلب هذه الأعراض المجتمعيّة: إذا كان صحيحًا أن الهياكل الاجتماعية والمؤسساتية والمادية تتغير بنسق سريع بالنسبة إلى تحليل عميق للفهم والتخطيط وأننا بحاجة إلى تحليل طبيعة هذا التسارع نفسه. ثم نرى أن أعراض عدم التزامن وكذلك الاغتراب هي جوهر نسيج المجتمع الحديث. أخيرًا، هناك أيضًا بعض الاختلافات السياسية بيني وبين هونيث. مثلا، أنا أكثر تشكيكا في العواقب الاجتماعيّة والأخلاقيّة للمنافسة.



ب س: ذكرت الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور. ربما يجب أن نتحدث قليلاً عن علاقتك به. لقد كتبت أطروحة الدكتوراه عن تايلور، ونشرتَ لاحقًا، على ما أعتقد، دراسة عن فلسفته ( 1998). وهو يظهر كثيرا في كتابك الأخير. لذلك يبقى تايلور، حسب رأيي، مهم بالنسبة لك. ومع ذلك، يرى الكثيرون، فهو أنّه ليس فيلسوفًا "ناقدًا" بل مهتمّا بالتجمّعات. كيف توظّف عمل تايلور في إطار اجتماعي نقدي؟ كيف يتناسب مع عملك؟


ه ر: حسنًا ، لتوضيح نقطة واحدة منذ البداية: لم أرغب أبدًا في أن أكون ملتزمًا "حقيقيًا" بنظام أو ما يمكن أن تسميه "مدرسة فكرية" أو أي شيء من هذا القبيل. في الواقع، لا أهتم أبدًا بما إذا كان الموضوع الذي يثير اهتمامي - مثل التسارع الاجتماعي، أو الصدى، أو الاغتراب – اجتماعيًا، نفسيًا، سياسيًا أو فلسفيًا. أعتقد أن قوة النظرية النقدية تكمن بالتحديد في حقيقة أنها تحاول تجاوز الحدود التأديبية من هذا النوع في تحليلاتها. الأمر نفسه ينطبق على علاقتي بالمدارس الفكرية: لا أهتم إذا كان المفهوم أو الفكرة أو سؤال البحث ينبع من النظرية النقدية أو من تقاليد ما بعد البنيوية أو من مفكّري أو مؤلفي ما بعد الاستعمار. ومع ذلك، سأجيب على سؤالك بالقول إن تايلور، في الواقع، كان دائمًا بالقرب من فرانكفورت. كما يمكن رؤيته في مناظراته مع هابرماس وآخرين، فقد تأثر بشدة بهيجل وماركس. لقد بدأ كثوريّ شيوعيّ واستلهم كهونيث مفهومه الخاص لسياسة الاعتراف (والتعددية الثقافية). تمامًا كما تناول هونيث أفكارًا حول الحرية لهيجل وتايلور. علاوة على ذلك، مثل هابرماس أو هونيث - أو مثل فوكو، في هذا الصدد - يسعى تايلور إلى الجمع بين التحليل الاجتماعي والفلسفة السياسية والاهتمام بتكوين الموضوعات. تكمن قوته، بالنسبة لي، في إصراره على حقيقة أنّه يجب علينا فهم المفهوم المتأصّل في التكوين الاجتماعي للخير وتقييماته - المتناقضة أحيانًا - أو الخرائط الأخلاقية، من أجل فهم القوى الدافعة لهذا التكوين الاجتماعي وأسسه ثقافية. هذا هو البعد الثقافي الذي تفتقر إليه النظرية النقدية في صيغتها الأكثر صرامة، خاصّة في إصداراتها الحديثة. بصرف النظر عن ذلك، ألهمتني فينومينولوجيا تايلور في مقاربة الحياة الاجتماعية النابعة أساسًا من مارلوبونتي.



ب س: شكرا لك. في ألمانيا، قمت مؤخرًا بنشر كتاب من 800 صفحة بعنوان Resonanz - أفترض أن العنوان الإنجليزي سيكون الصدى - حيث تقوم بتطوير إطار نظري مثير للإعجاب حول مفهومي "الصدى" و "العلاقة العالمية" [Welt Beziehung]. لكنك أيضًا تعطي لمفهوم الاغتراب ولادة جديدة. ربما يجب أن نبدأ بالمفاهيم الإيجابية. هل يمكنك أن تتحدث قليلاً عن مفهوم الصدى ومفهوم العلاقة العالمية والرابط بينهما؟


ه ر: ليس من السهل أن تقول شيئًا "مختصرا" كتبت عنه للتو 800 صفحة! إحدى الطرق لتحقيق ذلك هي من خلال تصميم الاعتراف الذي تحدثنا عنه للتو. مثل هونث أو تايلور، أنا مهتم جدًا بفهم ما يحفّز الناس حقًا وما الذي يجعلهم يعيشون حياة رائعة. نتيجة لعملي في التسريع الاجتماعي، توصلت إلى تعريف جديد للحداثة: لذلك، في رأيي، يكون المجتمع حديثًا إذا كان أسلوب استقراره ديناميكيًا. أي إذا كان يحتاج إلى نموّ تدريجي وتسريع وابتكار لمجرّد إعادة إنتاج بنيته الاجتماعيّة والحفاظ على وضعه الراهن. نحن نرى بسهولة أكبر عندما يتعلق الأمر بالحاجة إلى النمو الاقتصادي - الذي يرتبط حتماً بالتسارع والابتكار. على المستوى الفردي، من أين تأتي الطاقة التحفيزية للحفاظ على تشغيل محركات النمو والتسارع والابتكار؟ بالتأكيد، إلى حد كبير، يقودنا الخوف: نخشى الخسارة في المنافسة الاجتماعية وأيضا الإقصاء. لكن يجب أن تكون هناك أيضًا قوة إيجابية، قوة جاذبة. افترض آدم سميث أن هذه القوة كانت الرّغبة في الاعتراف الاجتماعي، وقد وضع هونث نظرية كاملة عنها: نحن مدفوعون بالرغبة في أن نكون محبوبين ومحترِمين. من ناحيتي، وجدت أن هذا صحيح إلى حد كبير، لكنّه لا يكفي لشرح ماهية الحداثة. الحداثة مدفوعة بما أسميه النهج "الثلاثي أ" للعالم: نحن نؤمن ضمنيًا أن الحياة الجيّدة تدور حول جعل العالم أكثر توفرًا وقابلية للتحقيق والوصول إليه. على سبيل المثال اغواء التكنولوجيا: بمساعدة الدراجة - التي تعلمت ركوبها عندما كنتُ طفلاً - وسّعت أفق عالمي إلى نهاية القرية أو المدينة.


عندما نبلغ من العمر 18 عامًا ولدينا سيارة، يزداد أفق التوافر وإمكانية الوصول مرة أخرى: يمكنك الذهاب إلى المراقص ودور السينما في المدينة الكبيرة على بعد حوالي مائة كيلومتر من المنزل. ثمّ تجعل الطائرة القارات الأخرى في متناول اليد. الأمر نفسه ينطبق على الهاتف الذكي: فباستخدام هذه الأداة، أحمل في جيبي جميع أصدقائي وجميع المعلومات التي أحتاجها من جميع أنحاء العالم. أو خذ جاذبية المال: المال هو العصا السحرية التي تجعل العالم من خلالها متاحًا ويمكن الوصول إليه ويكون قابلا للتّحقيق. في الواقع، تشير ثروتنا إلى نطاق أو مدى أفقنا لما هو متاح ويمكن الوصول إليه.


ومع ذلك، تكمن المشكلة في أنّ هذه العملية نفسها هي توسيع نطاق وصولنا وهي عملية التّسارع والنمو الدؤوب، بدأت تظهر جانبها المظلم. لذلك، بشكل جماعي، يبدو أنّنا ندمّر العالم الذي نريد توفيره: تدمير بيئتنا الطبيعية هو عكس ما حلمنا به. وبالتالي، تصبح الطبيعة تهديدًا لنا. على المستوى الفردي، هناك خطر أن يصبح العالم أخرسًا وأصمًا وصامتًا بالنسبة لنا نحن الرعايا. عندما ننظر إلى الثقافة والتاريخ، كان الخوف الكبير من الحداثة هو أن العالم الذي نعيش فيه سيندثر من أجلنا؛ أنه كئيب، بارد، غير مبالي، وربما عدائي، كما يقول ألبير كامو. نحن بعيدين عنه. نحن نزيد من فهمنا وتمسكنا بالطبيعة والحياة والعالم، لكن هذه العوالم تغير بعد ذلك شخصيتها في هذه العملية نفسها، تصبح الأنا والعالم شاحبًا وباردًا وغير مبالٍ. هذه، بالطبع، هي حالة "الإرهاق". لذا كان سؤالي: ما هو عكس الإرهاق؟ ما هي الطريقة البديلة للتواصل مع العالم، والوجود في العالم؟


وجوابي هو مفهوم الصّدى لأنّه البديل عن وضع التثبيت الديناميكي. وهو وسيلة لمواجهة العالم، أي الناس والأشياء والمادة والتاريخ والطبيعة والحياة على هذا النحو. يتميز بأربع صفات أساسية. أوّلا المودّة: نشعر حقًا بالتأثّر أمام شخص أو شيء نلتقي به. [في كتابه، يستخدم روزا الأسهم لإظهار اتجاه العاطفة.] للعاطفة تأثير وجداني، ولكنها أيضًا عنصر معرفي، وبالتأكيد عنصر جسدي. ثانيًا، العاطفة: نشعر أنّنا نستجيب لهذا "النّداء" لأنّنا نتفاعل معها بالجسد والعقل ونمدّ أيدينا ونلمس الجانب الآخر أيضًا. باختصار، نحن نختبر الكفاءة الذاتية في هذا اللقاء. ثالثًا، في عملية اللّمس والتأثر بشيء ما والتفاعل معه والاستجابة له، نتحوّل في اتجاه الإنتاج المشترك. في أيّ وقت يتمتّع شخص ما بتجربة صدى - مع شخص، كتاب، فكرة، لحن، أو منظر طبيعي، يظهر كشخص مختلف. والجانب الآخر تغيّر أيضًا. ومع ذلك، وهذا هو العنصر الرابع، لا يزال الصّدى يتميز بشيء بعيد المنال. بغض النظر عن مدى صعوبة المحاولة، لا يمكننا أبدًا التأكد أو ضمان أننا سندخل في وضع الصدى مع شخص ما أو شيء ما: يمكنك شراء أغلى تذاكر المقطوعة الموسيقية المفضلة لديك، ومع ذلك قد تشعر بأنّك لم تُشَدَّ قبل العرض. والأكثر من ذلك، أنّ هذه المراوغة يعني أيضًا أنه من المستحيل التنبّؤ أو التحكم فيما سيكون نتيجة تجربة الصّدى، وما هي عمليّة التحول التي ستنتج.


في كلّ الحالات، أدعي أن مثل هذه العمليات ضروريّة لهويّاتنا كبشر. ومن الضروري أن يأخذ علماء الاجتماع ذلك بعين الاعتبار من أجل فهم السلوك البشري. عندما تقرأ كتابًا، تستمع أو تشتغل على موسيقى، تساعد صديقًا أو تمشي في الغابة على سبيل المثال، فأنت تحاول التّواصل مع العالم في إطار الصدى.



ب س: دعنا نتوقّف عند مفهوم الصدى. هل أنا مخطئ عندما أميّز طبقتين مختلفتين أو مستويين من الصّدى في كتابك؟ المستوى الأوّل وجودي إلى حد ما. هنا نجد الإلهام من كثرة المصادر من أبحاث الخلايا العصبية إلى تصوير بيتر سلوترديك للعلاقة التكافلية بين الأم والطفل إلى مالرلوبونتي والفينومينولوجيا. على هذا المستوى، يكون الرّنين مرادفًا للتّشابك الأساسي في العالم. نحن، بمعنى ما، أقرب إلى الآخرين والأجسام الأخرى والأشياء من حولنا أكثر من أنفسنا كمواضيع متطابقة ومحدّدة. المستوى الآخر هو المستوى المعياري. إنّه جزء ضروري من تعريف الحياة الجيّدة. فأن أكون قادرًا على الدخول في علاقات عالميّة ليست مفيدة ولكنها تمكن العالم - أو الشخص أو الشيء أو النشاط الذي تم تعييني فيه. يمكنك أن تقول شيئًا عن العلاقة بين هذين المستويين، إذا كنت محقًا في التمييز؟


ه ر: ملاحظتك صحيحة تمامًا. وبالمناسبة، هذا الجانب المزدوج من الصدى هو شيء آخر يربطني بهونيث. ثم، كما يدعي أننا بحاجة إلى التعرف الأنطولوجي لنصبح ذواتًا، فإنني أرى أنّه العملية ذاتها التي تتشكل من خلالها كموضوعات ونواجه من خلالها العالم و دعونا نجرب. ومثلما يدعي أننا نسعى للحصول على الاعتراف ونحتاج إلى الاعتراف لكي نعيش حياتنا كحياة جيدة، أعتقد أننا نسعى ونحتاج إلى صدى واتصالات وخبرات صدى للحصول على حياة جيدة. أميّز ثلاثة أبعاد. أول هذه الأبعاد الثلاثة - أسميها محاور في كتابي - هو المحور الأفقي للصدى الذي يربطنا بالآخرين في نمط الحب والصداقة ولكن أيضًا في شكل السياسة الديمقراطية. والثاني هو المحور القٌطْرِي (أو المادي) للصّدى الذي يربطنا بالأشياء المادية أو الصناعات اليدويّة في طريقة العمل أو الرياضة أو التعليم أو الاستهلاك. أخيرًا، يعطينا المحور الثالث أو فكرة عن كيفيّة ارتباطنا بالعالم، بالطبيعة، بالحياة، أو بالواقع النهائي ككل. في الحداثة، يتمّ إنشاء محاور عمودية للصدى من خلال ممارسات ومفاهيم الدين أو الطبيعة أو الفن أو التاريخ. من خلال هذه المحاور المختلفة، أرغب في ترسيخ الصدى كمرجع معياري لنوعية الحياة. أعتقد أنّ مثل هذا المفهوم يمكن أن ينجح لأنه، على مستوى ما، كل البشر "كائنات تتواصل بالصّدى"؛ لا نحتاج إلى تعلّم كيفيّة الصدى، على الرغم من أنّنا قد نتجاهل ذلك أو نفقد قدرتنا على الدخول في علاقات صدى. ولكن على مستوى آخر "أعلى"، فإن المحاور الملموسة، بالمعنى الذي وصفته للتو، تتشكل دائمًا في السياقات الاجتماعية والتاريخية، وبالتالي، ما إذا كان لدينا إمكانية الوصول إلى محاور الصدى أم لا. سواء كنّا نقترب من العالم في وضع الهابيتوس أو في الوضع الآلي "الصامت"، يعتمد على السياقات الاجتماعيّة التي نعمل فيها. إن المجتمع الرأسمالي الذي يجبرنا على نمط من المنافسة والتّحسين والسرعة، على سبيل المثال، والذي يخلق قيودًا زمنية وقيودًا دائمة ويفرض نهجًا غير فعال ومتجدّد.



ب س: هذا يقودنا إلى مفهوم الاغتراب. الصدى بهذا المعنى المعياري - كشيء نطمح إليه ونريد تحقيقه لأنّه لدينا جميعًا تجارب أساسيّة في حياتنا. كيف نفهم هذا؟


ه ر: العلاقة بين الصّدى والاغتراب، في الواقع، معقدة للغاية. في البداية أخذت المفهومين ليكونا متناقضين. حاولت أن أؤسس صدى كنقيض الاغتراب. بعبارة أخرى، رأيت الاغتراب كخسارة للرنين. لكن بعد ذلك أدركت أن الأمر كان سهلاً للغاية: فقط الشيء المختلف تمامًا والذي يظل مختلفًا تمامًا يمكنه التحدث إلينا في الواقع بصوته. الصدى ليس انسجامًا، فهو يتطلّب الوجود النشيط لشيء بعيد المنال، وبهذا المعنى يظل غريبًا. إن محاولة تحويل العالم إلى فضاء شامل لن يؤدي فقط إلى سياسة شمولية، بل سيؤدّي في الواقع إلى تدمير إمكانيّة سماع صوت الآخر - وبالتالي، في نهاية المطاف تمييز صوت المرء. توضّح مرحلة السيرة الذاتية للبلوغ والمراهقة بشكل رائع العلاقة الجدلية بين الاغتراب والصدى: في سنّ البلوغ، يصبح الشّاب بعيدًا عن كلّ شيء تقريبًا - والديه وإخوته ومعلميه وحتى جسده. لكن عملية الاغتراب هذه حتمية تمامًا بالنسبة إلى الشاب لكي يطور صوته الفرديّ ويكتشف ما هي محاوره "الحقيقية" المتعلّقة بالصّدى. إذا كان البلوغ مرحلة من الاغتراب، فإنه يقع في علاقة جدليّة مع الصّدى.



ب س: هذا الإحياء لمفهوم الاغتراب في عملك مثير للاهتمام. كان لهذا المفهوم مكانة راجحة في النظريات النقدية الأولى وفي أعمال ماركس. لكنّه أصبح غير محبوب على وجه الخصوص بسبب دلالاته الجوهرية. ما هي غايات إعادة إحيائه؟


ه ر: منذ كتابي عن تشارلز تايلور، وبالتّأكيد بعد دراستي عن التسارع الاجتماعي، كنت مقتنعاً بشدّة أن مفاهيم العدالة، ناهيك عن العدالة التوزيعيّة، ليست كافية كمفاهيم معياريّة لجهود النظرية النقدية. على العكس من ذلك، في الواقع، أنا مقتنع مع ماركس أن المجتمع الرأسمالي الحديث مسكون بعيب فظيع. الأول هو أن توزيع الوسائل والمنتجات وأرباح الإنتاج غير عادلة تمامًا - أي أنّ الاستغلال مشكلة أساسيّة. والآخر هو أنه حتى بالنسبة "للفائزين" والفئات المستفيدة، فإن الحياة التي تليها ليست حياة جيدة: إنها تقوم على طريقة سيئة للوجود، على طريقة وجود سيّئة. قام كتّاب مثل بنيامين وأدورنو وماركوز وأيضًا إريك فروم بتشخيصها بوضوح شديد. يمكنك تسمية هذا "النّقد الفني" للمجتمع الرأسمالي (Künstlerkritik)، لكني أجد هذا المصطلح مضللًا تمامًا لأن الاغتراب، كما أسمّيه، ليس قضيّة ترف، يمكننا حلها بمجرد إنهاء أي ظلم اقتصادي. على العكس من ذلك: الطريقة الخاطئة للوجود هي المسؤولة عن إمكانية الاستغلال والظلم. لذلك، يجب علينا أوّلاً التغلّب على الاغتراب من أجل - ثانيًا - معالجة عيوب التوزيع العبثية في عالمنا أيضًا. الآن، في النظريّة النقديّة القديمة، كان هذا فكرة شائعة جدًا. ولكن بعد ذلك تم دفع مفهوم الاغتراب تدريجيًا جانبًا أو نسيانه على وجه التحديد لأنّنا لم نتمكن من تحديد شكل نمط الحياة غير المغترب: لم يكن لنا تصوّر عن الآخر أو عن التمثّلات الأبويّة عنه. في كتبي السابقة، كنت أعتقد أنّ الأصالة هي الوجه الآخر للصدّى. لكن الآن أعتقد أنّ الصدى هو أفضل مفهوم لأنّه يتطلّب بالضرورة التغيير. وهذا الأخير – أي التغيير – يغطّي الهوّة بين الهويّة والاختلاف.



ب س: اسمح لي بسؤال أخير حول مفهوم الصدى. من المؤكد أن هذا المفهوم له علاقة بالنظرية النقدية السابقة. ولكن يبدو لي من بعض مناقشاتنا في ماكس ويبر كوليج أنك مهتم بشكل متزايد بالتطورات الأخيرة في علم الاجتماع وعلم اجتماع العلوم: أعني فكرة التخلي عن السيطرة والإتقان والدخول في علاقات لا تحددها "أنا" من خلال الموضوع وحده. ولكنها أيضًا، على الأقل إلى حد ما، تترك الشيء "يتصرف بي"، إذا جاز التعبير. أرى هنا رابطًا لفكرة أدورنو عن المحاكاة، لكني أشعر أيضًا بوجود دوافع قادمة من برونو لاتور وفكرته عن العمل ك "تجاوز"، وأننا نتفاجأ دائمًا بأفعالنا، وأننا يجب أن نتعامل مع الأشياء التي نتورّط معها ك"وسطاء". هل يمكنك أن تخبرنا عن مصادر الإلهام ؟


ه ر: أنت على حق في كلا الأمرين. باتباع خطوط أدورنو ولاتور، ندرك أنّ "الاستقلالية" أيضًا لا يمكن أن تكون المفهوم الرئيسي ولا نقيض الاغتراب. بالنسبة لتجارب الصدى - أو "التجربة الحقيقية" بمعنى أدورنو - تنطوي دائمًا على لحظة من التجاوز، وفقدان السيطرة والتأثر والتحول بطرق غير متوقعة من قبل شخص آخر. الصّدى يعني أن تصبح ضعيفًا وتفقد السيطرة. إنها ليست مسألة ذاتيّة، لأن الذات تتحول في العملية، وهي لا تعني أنه يجب على المرء "اتباع القواعد أو المبادئ" التي قرّر المرء اتّباعها. الصدى شيء يحدث في الفضاء البيني، بين "الممثلين" بمعنى برونو لاتور. يمكن أيضًا أن يطلق عليهتحرّكات ما بينيّة بمعنى كارين باراد. ومع ذلك، من ناحية أخرى، إذا كنا نعني الاستقلالية على أنها تحرّر، فأنا أريد أن أحافظ عليها كعنصر مهم في مفهوم الصّدى. هذا يعني إذن أنّ الأشخاص يجب أن يكونوا قادرين على تمييز وتطوير أصواتهم. على سبيل المثال، إذا لم يُسمح للنساء بالتصويت أو العمل أو إذا لم يُسمح للمثليين بتطوير حياتهم الجنسية، فهذا هدف واضح لأي نقد اجتماعي.



ب س: قبل أن ننهي، دعنا نعود بإيجاز إلى السياق الاسكندنافي. أعتقد أن العديد من قراء دول الشمال المطلعين على عملك السابق يرغبون في معرفة المزيد عن العلاقة بين هذا الكتاب الجديد الضخم الذي كتبته وأعمالك السابقة عن الوقت والتسارع. إذن إلى أيّ مدى يشير التركيز على الصّدى إلى قطيعة أو اهتمام جديد أو، على الأقل، إعادة توجيه نظريّة إلى حد ما لعملك والابتعاد عن التشخيص - لدي شعور بأنك تود التأكيد على مفهوم الاستمرارية؟


ه ر: نعم، كدت أن أقول إنّ الصّدى قد تطور "عضوياً" من دراساتي عن التسارع. كما ترى، بعد التسارع، أكد الجمهور والصحافة في كل مكان باستمرار أن روزا كان "من دعاة البطء". لقد تم بيعي بصفتي المعلّم والبابا ونبي التباطؤ. لكن إذا بحثت عنها، ستجد أن مفهوم التباطؤ يظهر بشكل سطحي للغاية في عملي. هذا لسببين، أو في الواقع لثلاثة أسباب. أولاً، لن يكون إبطاء الأمور كافيًا بالتأكيد. إلى جانب ذلك، فإن إبطاء الأمور وترك كل شيء آخر كما هو مستحيل عمليًا - هذا هو حلم السياسيين: فلنحافظ على النمو والمنافسة والمزيد من الابتكار، لكنّنا نقدّم "سياسة الوقت" التي تمنح النّاس مزيدًا من الوقت في مهامهم اليومية. يتطلب الوضع المؤسسي المهيمن للتكاثر الاجتماعي أن علينا أن نجري أسرع كل سنة لمجرّد البقاء في مكاننا. لكن ثانيًا، حتّى لو كان ذلك ممكنًا، في رأيي، لا يمكن أن يكون البطء غاية في حد ذاته. لا يتمّ ربح أيّ شيء إذا تباطأت سرعة محرّك الإطفاء. الاتّصال البطيء بالإنترنت هو مجرّد مصدر إزعاج، والبطء ليس مثيرا على الإطلاق. لذلك عندما يحلم الناس بالتباطؤ، فإن ما يفعلونه هو طريقة مختلفة للوجود في العالم والتواصل معه. ما يريدونه حقًا هو فرصة للتفاعل مع الأشخاص والأشياء والأماكن. لا يريدون التباطؤ. تكون السرعة "سيئة" فقط عندما تؤدي إلى الاغتراب، أي فقدان قدرتنا على "امتلاك" العالم حقًا. كنت سأستخدم الكلمة الألمانية anverwandeln - بدلاً من aneignen - إذا كان بإمكاني. بعد ذلك، يتضمن Anverwandeln التحول الذاتي في حين أن aneignen مجرد وسيلة. ثالثًا، أدركت أنه يتعيّن علينا تجاوز الفصل البسيط بين السرعة السيّئة والبطء الجيّد. أعدت صياغة المشكلة على أنها الاغتراب الناجم عن وضع الاستقرار الديناميكي وبدأت أجادل بأن ما نبحث عنه، بشكل إيجابي، عند انتقاد التّسارع ليس بطيئًا، بل صدى. كلّ ما أحتاجه من هناك كان نظرية الصّدى - وهي نظرية أتيحت لي الآن، كما آمل.



ب س: لديّ سؤال أخير، إذا كان لا يزال لدينا وقت. ماهو الاتّجاه الذي تراه في علم الاجتماع النقدي أو النظرية النقدية للمستقبل؟


ه ر: أعتقد حقًا أن النظرية الاجتماعية النقدية هي حاليًا في وضع متناقض للغاية. من ناحية أخرى، من الواضح أن هناك حاجة اجتماعية قوية لتحليل ونقد شامل للمجتمع الحديث: لنهج قادر على دمج المنظورات السياسية والنفسية والفلسفية والاجتماعية في نقد قويّ لما هو خاطئ. عالمنا. يمكنك أن ترى ذلك من الاضطراب والرّغبة بين طلاب جامعاتنا، في الشّارع أو حتّى في المدرسة الثانوية: من الواضح أنّ اهتمامهم بماركس وأدورنو والآخرين يتزايد؛ هم يبحثون عن الإلهام. لكن نسخنا المهنيّة والأكاديميّة للنظريّة النقديّة بها عيبان، على ما أعتقد. أحدها هو أنّ المؤلفين في كثير من الأحيان لا يتناولون التجارب اليوميّة للفاعلين الاجتماعيّين على الإطلاق. الكثير من المناقشة هو مجرد ميتا نظري. تجد كتابًا تلو الآخر حول شروط "إمكانية النقد" ومزايا ومخاطر النقد "الجوهري" مقابل النقد "المتعالي" أو "المحلي" مقابل "العالمي" وهكذا. هذه المناقشات لا تنتهي بشكل مقنع.


ولا تتحسن الأمور كثيرًا إذا عادت النقاشات حول التحقّق الذاتي لرأس المال. ما نحتاجه، في اعتقادي، هو نهج يوضّح النظريّة القائمة على ما يحدث بالفعل في حياتنا الاجتماعيّة ومجتمعاتنا هنا والآن والتي تستجيب لتجاربنا الفعليّة. المشكلة الأخرى هي أنّ العديد من أتباع النظريّة النقديّة يعتقدون أنّ النّقد يجب أن يكون سلبيًا بحتًا: أنه يكون أكثر قيمة إذا كان يرفض تمامًا الواقع المعطى. مرّة أخرى، أعتقد أنّه خطأ. من السهل جدًا أن تكون ناقدًا وساخرًا ويائسًا بشأن الحالة الراهنة للشؤون الاجتماعية. يجب على الناقد الحيوي للنظرية أن يفعل أكثر من ذلك. من ماركس إلى بنيامين و أدورنو وهوركهايمر ومن فروم إلى ماركوز، كان المنظرون النقديون مقتنعين بأن نمطًا مختلفًا للوجود، كائنًا آخر في العالم، هو احتمال اجتماعي. كان خوفهم الأكبر هو أنّنا قد نفقد هذا الإحساس بالإمكانيّة الحقيقيّة لشكل حياة مختلف وعالم أفضل؛ حتّى نتمكّن من أن نصبح "ذكرًا وأنثى" ذات بُعد واحد. ولكن من أجل الحفاظ على هذا الإحساس بالتغيير الحقيقي والأساسي على قيد الحياة، يجب أن نحاول على الأقل توضيح الشّكل الذي قد يبدو عليه هذا العالم الأفضل. على الرغم من أنّهم كانوا متشكّكين للغاية، فإنّنا نجد بعض الأدلّة في أعمال أبطال النظرية النقدية المبكرة المذكورين للتو: مفهوم الهالة لبنيامين، مفهوم أدورنو عن المحاكاة وإيروس بواسطة فكرة ماركوز، فروم عن الحب تخدم على وجه التحديد وظيفة مساحة مخصصة لهذا الوضع من الاختلاف. لقد كتبت الصّدى في محاولة لشرح كيف يمكن أن يبدو أسلوب الحياة قائما على الشفّافيّة والمحاكاة والإيروسيّة.



ب س: شكرا جزيلا لك.


0 comments