• Wodhoo7 Original

علاش اليوم يلزم نقراو أكثر من أيّ وقت آخر ؟

عندي توّة تسعة سنين نقرّي. بديت نقرّي عمري 24 سنة. دخلت بأفكار جديدة وروح نافحة على العلم والتعليم والتغيير والتجديد. بعد تسعة سنين نلقى روحي تعبت وتعبّيت بطاقة سلبية تخليني ساعات نحسّ بإحباط كبير كيف نلقى روحي نعيش ونحكي على عالم بعيد برشا على العالم الي يعيشوا فيه ويحكيوا عليه طلبتي الي من المفروض أنهم يكونوا الطرّف الثاني الفعّال في العملية التعلّميّة ومش مجرّد أوعية لتلقي المعلومات.


هالقطيعة الّي ماشية وتكبر بيناتنا- رغم الّي الفارق في العمر موش كبير- عندها تفسير، حسب رايي المتواضع. ساهل برشا إنّي نحطّ اصبع الاتّهام على النّظام التّعليمي والبرامج وإنّي نرمي كلّ شي على "السّيستام"، وكلّنا نعرفو الّي "السيستام" في تونس واحل كيف المنجل في القلّة والّي ثمّة مبادرات بطيئة جدّا لإصلاحه وتطويره.


أصل الدّاء، في تقديري المتواضع، هو أنّه التلميذ أو الطّالب اليوم غارق وماعندوش الآليات اللّازمة بش يقاوم "السيستام" ويغلبه، لأنّه محاصر من كلّ شيرة بمادّة إخباريّة حاضرة ومفصّلة على قياس وعلى كيف الّي يقدّمهاله، ولأنّه يستهلك في هالمادّة الإخباريّة الدّسمة في كلّ وقت ومن غير وقت، وفي كلّ مكان، من غير مايلقى الوقت أو الفرصة بش يهضمها ويفهمها ويحللها ويركبها. وهذا يعود لسببين أساسيين:



  • السبب الأوّل هو الكثرة والإفراط في الاستهلاك: كلنا نعرفو الّي الشّاب اليوم (وحتّى الطّفل) يعدّي أغلب سوايع نهاره مع تليفونه، معزول على العالم الحقيقي وغارق في العالم الافتراضي بكلّ مافيه من أخبار زائفة وآراء موجّهة ومن مقالات تظهر للقارئ السّاذج علميّة ولكنها تحتوي على مغالطات كبيرة تخليها أقرب إلى الدّجل منه إلى العلم. المشكل هنا هو في هالكثرة والوفرة. في دقيقة واحدة ممكن تشوف على الحائط الفايسبوكي متاعك عشرات المقالات وبطبيعة الحال ماتقرى كان العناوين الي في أحيان كثيرة ماعندها حتى علاقة بالمحتوى، وتنقّل في ثواني من خبر يحكي على فاجعة وموت إلى خبر يحكي على فستان واحدة من المشاهير إلى مقال يدعوك لاتّباع نظام غذائي معيّن. الخ الخ شنوّة الّي يصير؟ الذّهن يتعوّد أنّه يقفز من موضوع لموضوع وأنّه ماعادش يركّز في حتى موضوع، يستانس بالتّشتت ويتدرّب شيئا فشيئا على فقدان الصّبر في عوض أنه يتدرّب على الصّبر، وهذا ينعكس لاحقا على السلوك اليومي للشخص خارج الفضاء الافتراضي. التلميذ أو الطالب الي تعوّد يقرى في عشرة ثواني عنوان وسطرين من مقال معبّي بأخطاء النّحو والرّسم ومعاهم معلومات خاطئة أو مغالطات تهدف إلى توجيه الرّأي، صعيب برشا أنّه يصبر حتى يفهم معلومة أو فكرة في درس يدوم ساعة أو ساعتين قايم على تمشي منهجي وانتقال من العام إلى الخاصّ ومن الكلّي إلى الجزئي أو العكس. وصعيب أنّه يركّز ويتبّع الغرزة، وإذا قام بالمجهود الذهني هذا فسرعان ما يحسّ بالإرهاق البدني والذهني.

  • السبب الثاني هو عدم اكتساب الطلبة والتلاميذ لمهارة مهمة برشا في تشكيل الوعي وهي مهارة التفكير النقدي. شنوة الي يفسر مثلا أنّه ناس تقرى في الجامعة ومن المفروض عندها الحدّ الأدنى من التحصيل العلمي الأكاديمي، يشاركوا آلاف المرات على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار من نوع إسلام باراك أوباما أو بكاء ميركل تأثرا بحديث نبوي أو حتى أخبار تهم الشّأن الداخلي ماعندهاش حتى صدى خارج الفضاء الأزرق مثلا؟؟ علاش مايتمّش التّثبّت من المعلومة حتى بالبحث على محرّك بحث على الانترنت وهذا لا يتطلب لا وقت طويل ولا جهد كبير؟

السبب حسب رأيي أنه نسبة كبيرة من الشباب اليوم مايجيش لبالهم بكلّ بساطة أنّهم يقلّبوا المعلومة/ الخبر ويفحصوها قبل ماينشروها ويصدقوها. المهارة الي نحكي عليها، وهي مهارة التفكير النقدي، ما اكتسبوهاش للأسباب الي ذكرتها في النقطة السابقة والمتعلقة بالإفراط في استهلاك كمّ كبير من الأخبار والمعلومات غير المتجانسة حاضرة في طبق، وأنه المخ ماعندوش القدرة على القراءة المتأنية والتحليل فمابالك بالنقد والتفكيك ثمّ إعادة التركيب؟ المهارة هاذي تتطلّب صبر ودربة لاكتسابها، والإنسان يقعد يتعلّم فيها على طول العمر. وهذا يفترض ذهن ناشط وقلب حيّ، وهذا ينعدم بما أنه تعاطي المادة الي يقدمهالك حاسوبك أو تليفونك يخلّي المخّ كسول ومحاصر من كلّ شيرة وموجّه في تفكيره ونظرته للأشياء من حوله. وهذا ينعكس حتى على المعجم واللغة الي نلقاوها مستعملة عند جزء كبير من الشباب اليوم ولعلّ أهمّ ملاحظة يخرج بيها مدرّس أو أستاذ يتعامل يوميا مع الشباب هي أنه المعجم الي يستعملوه ماشي ويتقلّص، وهذا ينعكس في طريقة التعبير على الأفكار فيصبح الشخص الي مفرداته قليلة ومعجمه محدود عاجز على التعبير على أفكار دقيقة ومفصّلة ويولي يميل إلى التعميم والتعويم. وهذا مبحث نرجعوله في مناسبات لاحقة.

شنوة الحل إذن بش نخرجو من الدوامة هاذي وبش نرتقيو من رتبة مستهلك ووعاء لتلقي المعلومة إلى رتبة مفكّر ناقد؟

ماعنديش حلّ سحري وهاذي مسألة تستاهل نحلّو على خاطرها حوار متعدّد الأطراف، لكن الحلّ الي نقترحه حاليّا معروف وأثبت نجاعته، والحلّ هو المطالعة. اي نعم المطالعة بمعناها التقليدي، بمعنى تقرى كتب. ونفسرلكم بسرعة علاش:

القراءة تعلمنا الصبر، بما أنّ الفكرة ماتوصل لذهن القارئ إلّا مايعطيها حقّها من وقته. وهذا يعلّمنا التّأنّي بمعناه المباشر أي أنّك تقدّم بالكلمة بالكلمة وحدة وحدة بش تتكوّن عندك صورة ذهنية للفكرة الي تقرى فيها، وأنك تعطي للكتاب من وقتك بش تكمله وأنك تختاره وتكوّن معاه عشرة إلى أن تكمله ، في عوض أنّه المادّة تختارك وتجيك وتفرض روحها عليك وين انت: في دارك والا في قاعة درس والا حتى وانت تعدي في امتحان (وقداش من مرّة طالب يتهم بالغش باستعمال الهاتف وهو في وقت امتحان يعمل في طلة على موقع تواصل اجتماعي)

مع الكتاب الوضع يختلف: انت تختاره، انت توسع بالك وانت الي تخصصله وقت. وهذا يخلينا نتعلمو عدم التسرع في الحكم على الأشياء بما أنه من غير الممكن عمليا أننا نحكمو على كتاب ونعطيوه تقييم إلا كي نكملوه أو نكملو منه جزء على الأقل، وموش ممكن نحكمو عليه من العنوان فقط أو من السطور الأولى فقط.

المطالعة والقراءة تخلينا زادة نستبطنو قواعد اللغة الي نقراو بيها، بمعنى أنه البنية النظرية للجملة العربية مثلا المتكونة من فعل وفاعل ومتممات أو من مبتدأ وخبر، تولّي متركزة في الذهن، والقالب النظري هذا الي يعبّيه المعجم والمفردات ينتج دلالة تتغير وتتوسع حسب الرصيد اللغوي الي يكتسبه القارئ شيئا فشيئا وحسب الرصيد الثقافي والفكري الي مايتكوّن ويترسّخ إلّا بالمراكمة في مرحلة أولى. بعد ذلك، كيف تتعدّد المراجع اللغوية والأسلوبية والفكرية للقارئ الواحد، يبدى يتخلّص تدريجيّا من ديكتاتوريّة الرّأي الواحد الأحد الي يطل عليه من تليفونه أو حاسوبه متشارك عند عدد كبير من "أصدقائه" الافتراضيين فياخذ بيه من غير مايفكر فيه، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يتعلّم أنّه يتبّع الفكرة للاخر وماينتقلش من موضوع لموضوع من غير تخلّص تدريجي وتمشي منطقي وربط الأسباب بالنتائج ووضع الأمور في إطارها التاريخي والسياسي وغيره.

هذا الكل مايحصلش في الذهن كيف تقرى كتاب والا اثنين ولكن يحصل كيما قلت قبل بالمراكمة والصبر والتروّي.

وهذا الكلّ ماهو إلّا خطوة صغيرة أولى في طريق التّدرّب على التفكير النقدي.

هالة العتيري.

09/12/2019

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles