• Wodhoo7 Translation

فوكو في وادي الموت

ترجمة لحوار مجلّة بوم كاليفورنيا مع سيمون وايد


ميشيل فوكو (ولد بول ميشيل فوكو عام 1926) كان أحد المفكّرين المركزيين في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن فوكو فيلسوفًا تقليديًا ولا مؤرّخًا، فقد فحص تقاطع الحقيقة مع التاريخ من خلال الديناميكيّات التاريخيّة المحدِّدة للسّلطة.

في فرنسا، كان فوكو شخصيّة رئيسيّة في الفكر البنيوي في الستينيّات والسنوات اللاّحقة. ومع ذلك، في الولايات المتّحدة، لا سيما في الثّقافة الشعبيّة، غالبًا ما يُنظر إلى فوكو على أنّه محرّض على حركة "النظريّة الفرنسيّة" التي اجتاحت الجامعات الأمريكيّة في السبعينيّات والثمانينيّات. وغالبًا ما كانت تحليلات فوكو حول استخدامات المجتمع للسّلطة مثيرة للجدل أيضًا. نظرًا لأنّ اهتماماته بالجنس والأجساد والمعايير فقد لعبت دورًا أساسيًا في تطوير النظرية النسوية والكويريّة المعاصرة.

كان سيمون وايد، أستاذ التّاريخ المساعد في كليّة كليرمونت للدّراسات العليا، من أوائل تلاميذ فكر فوكو. أصل وايد من تكساس وانتقل إلى كاليفورنيا في عام 1972 بعد حصوله على الدكتوراه. حصل على الدكتوراه في التاريخ الفكري للحضارة الغربية من جامعة هارفارد عام 1970. في عام 1975، تمّت دعوة فوكو إلى كاليفورنيا في ندوة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. بعد المؤتمر، دعا وايد وشريكه الموسيقي مايكل ستونمان فوكو لمرافقتهما في رحلة بريّة إلى وادي الموت. بعد تردّد، قبل فوكو. تمت الرحلة التي لا تنسى بعد أسبوعين. أجرت هذه المقابلة هيذر دونداس في 27 مايو 2017 وتم تعديلها من حيث الطول والوضوح والدقّة التاريخية.



بوم: ماذا يمكنك أن تخبرنا عن الصورة أعلاه؟


سيمون وايد: التقطت الصورة أعلاه بكاميرا لايكَا الخاصة بي في يونيو 1975. تُظهر الصورة جبال بانامينت والمسطحات المالحة في وادي الموت والكثبان الرملية المتجمدة في نقطة زابريسكي. في المقدمة، شخصيّتان: ميشيل فوكو مرتديًا الياقة البيضاء ومايكل ستونمان رفيق حياتي.


بوم: كيف انتهى بك المطاف في وادي الموت مع ميشيل فوكو؟


سيمون وايد: كنت أقوم بتجربة. أردت أن أرى كيف تأثّر أحد أعظم العقول في التاريخ بتجربة لم يسبق لها مثيل من قبل: امتصاص جرعة مناسبة من عقار إل إس دي في بيئة صحراوية مع مختلف أنواع الترفيه.. كنّا في وادي الموت لمدة يومين وليلة واحدة. وهذا أحد الأماكن التي زرناها في هذه الرحلة.


بوم: ماذا يمكنك أن تقول عن هذه الصورة؟ هل كان فوكو وستونمان تحت تأثير المخدِّر بالفعل في وقت التصوير؟ ألم يكن الجوّ حارًا بشكل لا يصدق في وادي الموت في شهر جوان؟


وايد: أجل. كنا على استعداد لذلك، إذا جاز التعبير، في منطقة تسمى لوحة الفنان. ونعم، كان الجو حارًا جدًا. لكن في المساء، يتغيّر الطّقس ويمكنك رؤية فوكو مرتديًا الياقة المدورة في الهواء الطلق. ذهبنا إلى نقطة زابريسكي لرؤية ظهور كوكب الزهرة. وضع مايكل مكبرات الصوت في كل مكان حولنا لأنّه لم يكن هناك أي شخص آخر. واستمعنا إلى إليزابيث شوارزكوف وهي تغني أغاني ريتشارد شتراوس الأربعة الأخيرة. رأيت الدّموع في عيني فوكو. ذهبنا إلى أحد التجاويف و استلقينا على ظهورنا، مثل بركان جيمس توريل، وشاهدنا الزهرة تخرج والنجوم تخرج لاحقًا. أقمنا في نقطة زابريسكي لمدّة عشر ساعات تقريبًا. لعب مايكل أيضًا دور تشارلز آيفز، وثري بليسز في نيو إنجلاند وكونتاكتي دي ستوكهاوزن مع بعض من موسيقى شوبان…. كان لدى فوكو تقدير عميق للموسيقى. كان بيار بوليز أحد أصدقائه الجامعيين.


بوم: إنها قائمة رائعة. لكن لماذا الأل أسْ دِي؟


وايد: يقول البعض إن وحي القديس يوحنا في جزيرة بطمس مستوحى من فطر أمانيتا موسكاريا. الأل أسْ دِي هو مكافئ كيميائي للفعالية المهلوسة لهذه الفطريات. الكثير من الاختراعات العظيمة التي جعلت الحضارة ممكنة حدثت في المجتمعات التي استخدمت الفطر السحري في طقوسهم الدينية. لذا فكّرت، إذا كان هذا صحيحًا، إن كان للمركّب الكيميائي مثل هذه القوّة، فما الذي سيفعله بعقل فوكو العظيم؟



بوم: ولكن لماذا تذهب بعيدًا بهذه التجربة؟ لماذا القيادة خمس ساعات من كليرمونت إلى ديث فالي؟


وايد: السّبب الرئيسي هو أن مايكل وأنا قمنا بالعديد من الرحلات الرائعة إلى الصحراء. وادي الموت عدّة مرات وكذلك موهافي وجوشوا تري. إذا كنت تأخذ الأل أس دي وأنت في مكان مثل وادي الموت، يمكنك سماع التعاقب التوافقي كما هو الحال في موسيقى شوبان؛ إنها أجمل موسيقى سمعتها على الإطلاق، وهي تعلمك أن هناك المزيد.


بوم: حتى وقت قريب، كانت فكرة السبعينيّات، كما قلت في مخطوطتك "إكسير سحري" لتوسيع الوعي، قديمة جدًا لدرجة أنها كانت سخيفة. لكن البحث الحالي شكك في هذا الرفض لتجربة المخدّر.


واد: لقد حان الوقت! [خلال هذه الرحلات] رأيت السماء كما هي حقًا، بكل ألوانها وأشكالها الرّائعة. وسمعت أيضًا أصداء الانفجار العظيم الذي يبدو وكأنّه جوقة من الملائكة، هذا ما اعتقد القدماء.


بوم: إذن أردت أن تمنح فوكو بعض الأل أس دي حتّى يتمكّن من الوصول إلى هذه "الموسيقى المجيدة"؟


وايد: ليس هذا فقط. كان هذا في عام 1975، بالطبع، تم نشر "نظام الأشياء" منذ ما يقارب عقداً من الزّمن (نُشر عام 1966 بالفرنسية). يتعامل ترتيب الأشياء مع محدودية الإنسان، موته الحتميّ وكذلك موت البشريّة بحجّة أنّ كل إنسانية الولادة الجديدة لم تعد قابلة للحياة. لدرجة القول إن وجه الإنسان قد تلاشى.


بوم: هناك المقطع الشهير في نهاية "نظام الأشياء"، الذي يفترض وجود عالم خالٍ من هياكل السلطة في عصر التنوير: "إذا اختفت هذه الترتيبات ... عندها يمكننا بالتّأكيد أن نراهن على أنّ الإنسان سيُمحى مثل الوجه المرسوم على رمال البحر.


وايد: فكّرت، إذا أعطيت فوكو عقار إل إس دي، فأنا متأكد من أنه سيدرك أنّه من السّابق لأوانه محو إنسانيتنا وعقلنا كما نعرفه الآن لأنّه سيرى أنّ هناك أشكال من المعرفة بخلاف العلم وذلك بسبب موضوع الموت في فكره حتى ذلك الحين. التركيز الهائل على المحدود والمحدودية يقلّل من أملنا.


بوم: إذن هل أخذت فوكو إلى وادي الموت لولادة جديدة بطريقة ما؟


وايد: بالضّبط. لقد كانت تجربة فوكو متعالية. كتب إلينا بعد بضعة أشهر أنها كانت أعظم تجربة في حياته، وأنّها غيّرت حياته وعمله بعمق.



بوم: في وقت هذه الرحلة، كان فوكو قد نشر للتو المجلد الأول من مشروعه المكوّن من ستّة مجلّدات تاريخ الجنسانيّة وقد نشر أيضًا معاينة لبقيّة الكتاب ويبدو أنه أنهى بالفعل كتابة عدّة مجلدات منه. إذن، متى أصبح هذا التحول بعد وادي الموت واضحًا في عمله؟


وايد: فورًا. لقد كتب لنا أنه ألقى بالمجلّدين الثاني والثّالث من كتابه "تاريخ الجنسانية" في النار وأنه كان عليه أن يبدأ من جديد. إذا كانت هذه مجرد طريقة للتحدث فأنا لا أعرف، لكنه حذف بعضًا منها على الأقل ثم كتبها مرة أخرى قبل وفاته المفاجئة في عام 1984. وترمز عناوين هذين الكتابين الأخيرين إلى تأثير هذه التجربة عليه: استخدام اللّذة والاعتناء بالذّات دون أيّ ذكر للمحدودية. كل شيء بعد تجربة 1975 هو فوكو الجديد. فجأة كان يدلي بتصريحات صدمت النخبة المثقفة الفرنسية.


بوم: على سبيل المثال؟


وايد: تصريحات أكثر ثقة في العلن، لذلك أدرك أخيرًا من هو كولومبوس السياسي الحقيقي: جيريمي بينثام. كان جيريمي بنثام حتى هذا الوقت شخصية محترمة للغاية. وبدأ فوكو في العثور عليه كشرير مثقف. وينفي فوكو ماركس وإنجلز، ويقول إنه يجب علينا فقط اعتبار ماركس صحفيًا ممتازًا، وليس منظّرا. وكلّ الأشياء التي تقدّم بها فوكو تمّ تعزيزها بعد رحلته إلى وادي الموت. كان فوكو من 1975 إلى 1984 كائنًا جديدًا.


بوم: لقد ذكرت أن بعض الناس اختلفوا مع تجربتك وظنّوا أنّك خاطرت بمصلحة فوكو.


وايد: كان العديد من الأكاديميين سلبيّين للغاية بشأن هذه النّقطة قائلين إنّها أضعفت عقله. لا يجب أن ألمس عقله. لكن فوكو كان يعرف جيّدًا ما يدور حوله وكنّا معه طوال الوقت.


بوم: هل فكّرت في تداعيات هذه التجربة على حياتك المهنية؟


وايد: في الماضي، كان يجب أن أفعل.


بوم: هل كانت تجربة فريدة؟ هل رأيت فوكو مرة أخرى؟


وايد: نعم، زارنا فوكو مرّة أخرى. بعد زيارته الثانية بوقت قصير، مكثنا في الجبال، كانت تجربة جبليّة.


بوم: أيضًا مع الموسيقى و الأل أس دِي؟


وايد: بلا إل إس دي. لكن مع كل شيء آخر. بعد مغادرته للمرّة الثانية، جلست وكتبت نصّا عن التّجربة عنوانه رحلة وادي الموت. لم يتم نشره قط. قرأه فوكو. كانت لدينا مراسلات قوية. ثم قضينا وقتًا رائعًا معه مرة أخرى في عام 1981، عندما حضر مؤتمرًا في جامعة جنوب كاليفورنيا.


بوم: هل احتفظت برسائل فوكو؟


وايد: نعم، حوالي 20 منهم. آخرها كتب عام 1984. وسأل عمّا إذا كان بإمكانه المجيء والعيش معنا في سيلفرليك لأنه كان يعاني من مرض عضال. أعتقد أنه أراد أن يموت مثل هكسلي. قلت: نعم، بالطبع. لسوء الحظ، قبل أن يكون مستعدًا للسفر، فاجأه فخ التاريخ.





0 comments