• Wodhoo7 Original

لنا الفنّ حتّى لا نموت في الملاجئ

بعض الصور الفوتغرافية تتجاوز قواعد التركيب والإضاءة لتثير فيك رغبة ملحة في أن تتبرّأ من الجنس البشريّ وتتحول بقدرة ساحر إلى نجم بعيد يحترق غضبا، أو على النقيض من ذلك، تُخرجك من برودك واستقرارك اليوميين وتجعل منك إنسانا قلقا مفرطا في إنسانيته.


وبعض النصوص تحتاج منك أن تشحن نفسك غضبا حتّى تكتبها. لا يمكن أن تأخذ قلمك وتشرع في الكتابة وأنت دافئ هادئ تحتسي قهوتك وتستمع إلى موسيقاك المحبّبة.


إنّ ما يربط الصور التي أخذها المصور الفوتغرافي علي بوزويدة بمخيم اللاجئين بالأردن في 2014 بهذا النص هو الغضب.. إحساس جامح يستعر في صدر المتلقّي يتعارض تعارضا كليّا مع هدوء الصّور ولطفها.. هدوء ولطف مأتاهما موضوع الصّور وإضاءتها.


في الصّور أطفال، لا تتجاوز أعمارهم على أقصى تقديرالسابعة، في وضعيات مختلفة يجمع بينها أساسا عنصران: اللعب و الابتسام. والصور في مجملها مضاءة إضاءة طبيعية: نور الشمس يعطي للألوان المختلفة رونقا وبريقا ويجعل الصور تفيض إشراقا. يُخيّل إليك وأنت تقرأ هذا الوصف أنك إزاء تجسيد استيتيقيّ للسعادة والبراءة البشريتين انطلاقا من نظرة المصور الفوتغرافية.

إلّا أنّ الأمر أعمق من أن يكون مجرّد بحث جماليّ، حين تمعن النّظر في الإطار الذي يحضن الشخصيات الأساسية في هذه الصور الفوتغرافية.


فخلف الابتسامة المشرقة لأحد الأطفال ينتصب حائط خرب متداع للسقوط، وأمام النظرة الضاحكة لأطفال آخرين تقوم قضبان تحتجزهم خلفها، وبين هذا وذاك تصطفّ الأشواك اللولبية التي تسيّج المخيم وتفصل عالم اللاجئين الرّحّل عن عالم المقيمين المستقرين، وتفصل الأرض المستعارة عن الأرض الوطن، وتقيم حدّا لرقعة من الأرض بائسة لا راية لها إلّا راية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


تعارضٌ صارخ بين البراءة الغُفل والدّمار المحيط بها، وبين لطف العيون الصّغيرة الحيّة وعنف الأشياء الجامدة التي تؤثث وحدها خلفيات الصّور.



الصّور تلخّص مأساة العالم العربي الحديث وملحمة الطّفل السّوريّ الأعزل أمام وحشي الحرب والتطرّف دون أن تُفحش "القول" وتصوّر ما لا تُطيقه العين كما دأب على ذلك بعض المصورين الذين يهوون الدّم والجماجم المفتوحة.


يأخذنا علي بوزويدة في صوره إلى عالم غامض رغم عُريه، بعيد رغم قربه منّا عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة. فما لا تقدّمه التقارير الصحفية الجافة التي تسلط الضوء على ظروف العيش في مخيمات تُلغي إنسانية الإنسان وتنفي عنه كرامته، هو هذه الروح الإنسانية التي تتحدى الموت بابتسامة، و تقاوم البرد والجوع بلعبة مصنوعة من حطام.


وربما هذا ما يصنع الفرق في نظرنا بين عين الصّحفي وعين الفنّان. الصحفي ينقل لنا الوقائع والحيثيات والفنان يأخذنا إلى ما لا ينقالُ ولا يُنقل. لا يمكن لابتسامة لاجئ سوري أن تكون موضوع تقرير رسمي أو اجتماع على مستوى سام، ولكنها تكون بامتياز غنيمة الفنان يقتنصها من بين الخراب والروائح العطنة.. يتلقفها ويخلّدها ويعرضها علينا حتى يذكّرنا أنّ الوحش الآدميّ كان في يوم مّا طفلا بريئا.. وأنّ من واجبنا جميعا أن نمنع الوحش من أن يزداد بطشا وقوّة. فإمّا نصر. وإمّا فناء.


نص: هالة العتيري

صور: علي بوزويدة

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles