• Wodhoo7 Translation

مالذي يتطلبه الأمر حتى تغيّر رأيك؟

Updated: Oct 27, 2019

بيتر بوغوسيان (ترجمة من الانجليزية)


كتبت حول التفكير النقدي ودرسته لأكثر من عقدين. كان شعاري "كوّن معتقداتك اعتماداً على الأدلّة"، ودرّست عشرات الآلاف من الطلاب الطريقة التي يمكن من خلالها القيام بذلك فحسب. لماذا إذاً غادر الناس درسي حاملين المعتقدات نفسها المنافية للعقل، تماماً كما قد دخلوه سابقا - ابتداء من الطب البديل وعمليات الاختطاف من قبل فضائيين وانتهاء بالاعتقاد بأن أوباما مسلم؟ لأنني كنت أقوم بذلك على نحو خاطئ.


تتلخّص المشكلة في أن كلّ شخص يعتقد أنه يكوّن قناعاته بناء على أدلة. وهذه إحدى القضايا المتعلقة بالأخبار المزيفة، سواء كانت على الفيسبوك أو التويتر أو من تصفح غوغل. يقرأ الناس ويشاركون إما الأخبار التي يريدون تصديقها أو تلك التي تتناسب وما يعتقدون بالفعل - ثم يشيرون إلى هذه الأخبار كأدلّة على قناعاتهم. فتُستخدم القناعات نفسها أدلة لقناعات أخرى، وتغذيها الأخبار الكاذبة.

وعلى نحو ساخر، فقد يؤدي تعليم الناس أن يبنوا معتقداتهم استنادا على أدلّة، إلى الإيقاع بهم في فخّ الرّؤى المجانبة تماما للواقع، وهو مايعزّز ثقتهم في صدق معتقدهم لأنّهم يرون أنّهم في اعتقادهم ذاك يمارسون التّفكير النّقديّ على نحو سويّ، ولكنّهم في الحقيقة يُغرقون أنفسهم في بالوعة معرفيّة، وبقدر ما يشتدّ ذكاء المرء تزداد البالوعة عمقا، وفي ذلك تصديق لقولة مايكل شيمر الشهيرة: "النّاس الأذكى هم أفضل من يعقلنون الأفكار السيئة" وذلك لأن الناس الأّذكى هم الأقدر على الاستقراء واستخدام البيانات لدعم مايؤمنون به، بقطع النّظر عن مدى صحّته..

ماذا يمكن إذن للريبيين من أمثالنا أن نقوم به؟ إليكم ما أوصي به: بدل أن تطلب من الناس أن يكوّنوا قناعاتهم استنادا على أدلّة، حفّزهم حتّى يبحثوا عن فكرة مّا، مهما كانت، من شأنها ربّما أن تقوّض ثقتهم في معتقد مّا محدّد. (ولتقلْ إنّ الفكرة قد تقوّض المعتقد على وجه الاحتمال لا على وجه اليقين، فصيغة الاحتمال تجعل الأمر أضعف تهديدا). ذلك ما يجعل التّفكير نقديا بحقّ.

وفي مايلي مثال عن كيفية تطبيق ذلك: فلنفترض أن جيسيكا تعتقد بأن أوباما مسلم. اسألها أن تُسند عددا لقوّة اعتقادها على سلّم أعداد من 1 إلى 10، وحين تسند عددا (فلنقل 9 من عشرة) اسألها عن أيّ دليل يمكن أن تواجهه من شأنه أن يقوّض ثقتها في صحة معتقدها. وعلى سبيل المثال، اسألها مالذي يمكن أن يُنقص ثقتها من 9 إلى 8 أو حتى إلى 6؟ اطرح عليها بعض الأسئلة كي تساعدها على توضيح أفكارها ثمّ اطلب منها أن تبحث لها عن دليل.

يُسمّي الفلاسفة هذه العملية ب"قابليّة التقويض"، وتعني أساسا ماإذا كان معتقد مّا قابلا للمراجعة أم لا، فعلى سبيل المثال، إذا كان المسلمون لا يشربون الكحول، فإنّ صورة لأوباما وهو يحتسي الجعة قد تُضعف اعتقاد جيسيكا من 9 إلى 8، أو قد تكون فيديوهات أوباما وهو يصلّي في كنيسة القديس جون في واشنطن خلال السنوات الثماني الماضية أشدّ تأثيرا فيها فتنزل بثقتها إلى 6 من 10، أو ربّما لن يزعزع كلّ هذا ثقتها في معتقدها وقد تواجه هذه التحديات بإجابات يقينية متمرّسة.

وهذا ماحصل بالضبط في درسي: العلم والعلم المزيّف الذي قدّمته في جامعة ولاية بورتلاند.

فقد أصرّ طالب على أنّ أوباما مسلم، وحين عرضت عليه سلسة من الصّور لأوباما وهو يشرب الجعة، أجابني مباشرة وعلى نحو قاطع: "هذه الصّور مزيفة باستخدام الفوطوشوب"، فسألته أن يسند لمدى تيقّنه من ذلك عددا من 1 إلى 10 فما كان منه إلّا أن أجاب 9.9. فطلبت منه حينها أن يحرّر ورقة إضافيّة يفصّل فيها القول في احتمال بطلان ادّعائه القائل بأن الصّور مزيّفة.

إن هذه الاستراتيجية فعّالة لأنك عندما تسأل: "ما هو الدليل الذي من شأنه أن يجعلك تغّير رأيك؟" تخلق فجوات أو مساحات في معتقد الطرف المقابل تجعله يتحدّى نفسه ويفكر ملياً فيما إذا كانت ثقته في معتقده مبررة. فأنت لا تملي عليه شيئا. بل تطرح عليه ببساطة بعض الأسئلة. وفي كل مرة تطرح فيها أسئلة فأنت تعطي للناس فرصة جديدة ليراجعوا قناعاتهم ويعيدوا تقويمها. ويمكن النظر إلى كل ادعاء على هذا النحو باعتباره فرصة لجعل الناس يعتادون على البحث عن أدلّة للتفنيد.

إن لم نضع قابلية التقويض في الصّدارة والجوهر، فإننا نجازف بالوضع المعرفي للناس وذلك بأن نساعدهم، عن غير قصد، على تضخيم الثقة التي يضعونها في قناعاتهم تضخيما مصطنعا. ونحن نجعلهم بذلك أقل تواضعاً لأنهم يقنعون أنفسهم بأنهم مسؤولون في اعتقادهم، ومن ثمّة، بأنّ معتقداتهمأقرب إلى الحقيقة. وهذا هو الحل البيداغوجي، وهو الجزء الأسهل.

وأما الجزء الأصعب، فهوأن نصرّح علنا بعبارة، "لا أعلم" حين يُطرح علينا سؤال ولا نعرف الإجابة. ويبقى ما هو أصعب، أن نعترف بقولنا "لقد كنت على خطإ " عندما نقترف خطأ ما. وهذه مهارات تستحقّ أن نتدرب عليها.

يبدأ التفكير النقدي بفرضية مفادها أن معتقداتنا يمكن أن تكون مغلوطة، وإن كانت كذلك، فإننا سنصححها بناء على مايناسب. وهذا هو معنى التواضع. يقع على عاتقنا أن نساهم في بناء ثقافة يكون فيها التواضع هو العرف السائد. لا يمكننا أن نتوقع من الناس أن يصبحوا مفكرين نقديين إلى أن نعترف بأنّ معتقداتنا الخاصة أو عملياتنا الاستدلالية خاطئة أحيانا، وبأن بعض الأسئلة، من اختصاصاتنا تحديدا، لا نعرف كيف يمكن أن نجيب عليها. وذلك ما من شأنه أن يساعد الناس على ممارسة التفكير النقدي على نحو أجدى من تكرار عبارة "كوّن معتقداتك اعتماداً على أدلة" ألف مرّة.

Source: Skeptics Magazine

------------------

التعريف بالكاتب:

الكاتب بيتر بوغوسيان أستاذ مساعد في الفلسفة في جامعة ولاية بورتلاند وعضو هيئة تدريس في جامعة أوريغون لعلم الصحة في قسم الطب العام الباطني. نشرت مقالاته الأكثر شهرة في مجلات ساينتيفك أميريكان، تايم وذا فيلوسيفر ماغازين وغيرها. تابعوا بيتر عبر حسابه على تويتر @peterboghossian

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles