© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles
  • Wodhoo7 Translation

من السّياسة إلى الموسيقى

Updated: 7 days ago

من السّياسة إلى الموسيقى: من جانكيلفيتش إلى مارك لوبوشي


نص للكاتب ميكائيل دي سان-شورون منشور في مجلة قانون اللّعبة (La Règle du jeu) تعليقا على ظهور نصوص جديدة لفلاديمير جانكيلفيتش عن الموسيقى و"الرّيح والقصب" لمارك لوبوشي. وهو بحث في العلاقة بين الموسيقى والفلسفة.


_________________

من المؤكّد أنّ أدورنُو و جانكيلفيتش هما من أهمّ فلاسفة القرن الماضي الذين أولوا مكانة هامّة للموسيقى في أعمالهما. بالإضافة إلى كتبهم عن الموسيقى، العديد من الصفحات المتفرّقة يمكن أن تكوّن تكملة لأعمالهم الفلسفيّة والموسيقيّة. الموسيقي أكثر ميتافيزيقيّة من الميتافيزيقا بالمعنى المجرّد للكلمة: أيْ ما يأتي بعد المادّة. هل يمكن أن نتخيَّل، لانمثلا، أنّ كانط أو هيجل قد تركا كتابا عن باخ؟

في هذا الإطار، نشرت ألبان ميشال مجموعة من نصوص فلاديمير جانكيلفيتش، الغير معروفة والتي ظلّت غير متاحة لمدّة طويلة، تحت عنوان الانتشاء الموسيقي. وفي نفس الوقت، نشر الكاتب والناشر الفرنسيّ مارك لوبوشي "النفس" ومن بين مواضيعها علم اللاَّهوت، الأدب، الأخلاق وخاصّة الموسيقى. مارك لوبوشي هو مؤلّف مجموعة من النُّصوص المخصَّصة لموسيقي لايبزيغ، جون - سيباستيان باخ.



الانتشاء الموسيقي لفلاديمير جانكيلفيتش


في فقرة مهمّة عن ليست، يكتب جانكيلفيتش عن كُورِيسْ مِيسْتِيكُوسْ:" هناك أشياء لا يمكن الاّ لصوت الانسان أن يعبّر عنها." عن شوبار، وبصفة خاصّة عن "ديفان أوندونت" من السمفونيّة الرابعة، يرى الفيلسوف أنّها من "أهمّ أعمال الموسيقيّ." بعد الحرب العالميّة الثانيّة، تجنّب جانكيلفيتش الحديث عن أي أمر يتعلّق بألمانيا. لكن لحسن الحظ، كتب وتحدّث عن ليست وشوبار وأيضا باخ، بيتهوفنأو موزار. في نصّه "فرانز ليست وأوروبا"، يحلّل الفكرة الأوروبيّة للملحّن "في التعدديّة الحرّة للدّول" وهو ما سمح بتطوير مفهوم التّرحال، دور الغجر ومسألة المنفى. من غير الضروري الإشارة إلى هذه المسائل المعاصرة. يتحدّث جانكيلفيتش عن المسألة التي يعتبرها الأهم وهي قضيّة المُضْطَهَد. بالنسبة لليتز، في أوروبا القرن التّاسع عشر، شعب واحد يستحقّ تعاطفه وموسيقاه: الغجر الذين تحضر عاداتهم الموسيقيّة في العديد من أعماله. من كان على علم أيضا أنّ الملحّن كتب كتابا بعنوان "عن البوهيميّين وموسيقاهم في المجر"؟ لكنّ الفيلسوف قلق من موقف ليتز من اليهود، في عصر تتكاثف فيه المشاكل في الشّرق، والتي لا تعترف الاّ بشعب الغجر" هذا الشّعب الذي ليست له أيّة جذور هو أيضا شعب مسلوب، شعب من البروليتاريين. ليس فقط لا يملك أيّة رابطة ولكنّه أيضا لا يملك شيئا." (ص.128-129). ويضيف جانكيلفيتش "ما يغنّونه يهدرونه مع الرياح". ثمّة هنا نوع من القطيعة بين الفيلسوف والملحّن، لكن ستأتي صفحات مذهلة عن المنفى (ص.132).


الجزء الثّالث من كتاب "الانتشاء الموسيقي" كان مخصّصا للموسيقى الروسيّة والفرنسيّة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين والتي كتب عنها الفيلسوف صفحات التقى فيها عمق التّحليل وجماليّة اللغة عن ريمسكي كورساكوف، رافيل، ديبوسي وفوري. تيمّنه بهذا الأخير في تولوز بمناسبة مرور عشرون سنة على رحيله في نوفمبر 1944، كان رائعا وتعليقاته عن الريكيوم تتلاقى مع روائع أفكاره. فلسفة الأخلاق التي تميّز بها جانكيلفيتش تتلخّص في أعماله "لا أعلم ماذا'' أو ''تقريبا لا شيء'' وهي عبارة عن مغامرة فلسفيّة متميّزة على امتداد القرن. كيف يمكن التفلسف حول مفهوم مضاد، "لا أعلم ماذا" أو "تقريبا لا شيء" هي أساسا أطروحة مضادّة لكلّ فكر بنيويّ؟ هل تمكّن جانكيلفيتش بالموسيقى من الحصول على قوّة هشّة جعلته قادرا على تحليل أعمق الأسئلة الفلسفيّة بطريقة "لا أعلم ماذا"؟



الرّيح والقصب لمارك لوبوشي


أريد أن أتحدّث الآن عن الكتاب الأخير لمارك لوبوشيبعنوان "الريح والقصب" لأنّ الموسيقى حاضرة فيه بقوّة. الكاتب والنّاشر عُرِفَ لفترة طويلة بأنّه مدير لقسم الأدب في دي دي بي قبل أن يلتحق بسالفاتور.


في هذا الكتاب الهش والعميق في آن، يروي مارك لوبوشي تجارب حياته مع الأدب، الشعر، المسرح والموسيقى ومقابلاته مع أشخاص يعتبرهم مساهمين في تمرير كل هذا. مارك لوبوشي مهووس بهشاشة الأشخاص، هشاشة العالم والفن. مع مورياك، هناك ظهور موزار ولكن أيضا هناك هذا الجزء بعنوان "باخ أو الرخام المشقّق". الرخام يتشقّق فعلا عندما يكتب لوبوشي عن الموسيقى تماما كما كان يفعل جانكيلفيتش. الفضل يعود للملحّنة والمغنيّة ميراي التي ألهمت مارك في شبابه وهي سبب "أوّل إحساس موسيقي" باسطوانة كولارغول. ثمّ كان تكرّر الأمر مع أسطوانة قديمة سمعها لأوّل مرّة بعنوان "غناء السّاهر (كورال دي فايّورْ)، "لكي تدوم سعادتي'' لخالد الذّكر باخ.



إذا كان باخ يبدو، للوهلة الأولى، صلبا وتقليديا، فانّ لوبوشي يجعلنا نكتشف تلك الهشاشة التي تقرّبنا منه. تذكّرنا أيضا أنّ والتر كارلوس – التي أصبحت بعد ذلك ويندي كارلوس عندما تغيّر جنسها في السبعينات – قامت بأداء ابداعات بصوتين وثلاث أصوات لأب الموسيقى الحديثة. باخ، على غلاف الأسطوانة، "يتحوّل إلى بوب-ستار مع سمّاعات على أذنيه. في هشاشته، موسيقيّ لايبزيغيمسّنا بشكل أكبر. آخر سنوات حياته أيضا تمّ التعرّض اليها.

الهروب الموجع للابن واختفائه وعدم فهم الأجيال الجديدة التي لا تهتمّ الاّ بالأغاني الخفيفة والمرحة. لكنّ باخ يرفض، بشدّة، أن يتغيّر مع الموضة.

تنتهي الفقرة بالتّذكير بأدولف بوش "المعارض الشّرس للنازيّة" الذي أدّى بُعَيْدَ الحرب العالميّة الثَّانية مقطوعة شاكون لباخ. "الهشاشة، إذا، تقتحم ميدانا لا يراد لها أن تكون موجودة فيه: القوّة. هكذا تتحوّل البراءة الى نموذج متّبع." هكذا كتب الموسيقي الفذّ أندريه تيبوف في كتابه أدولف بوش، أوّل العادلين.


في خاتمته، يركّز لوبوشي على كلمة معيّنة ليسلّط الضّوء على كلّ جزء:

"أؤمن باله العاصفة الهادئة. أؤمن باله الدّموع. أؤمن باله الحواس. أؤمن باله اللقاء. أؤمن باله التّاريخ، إله الهشاشات، إله القصب."

لوبوشي كان يعرف من غير شك مقولة سوامي فيفكاناندا والتي اشتهرت مع رومان رولان في فرنسا في الثلاثينات في سيرته الذاتيّة:

"الاله الوحيد الموجود، مجموع الأرواح وفوق كل شيء، إله الأشرار، إله البؤساء، إله الفقراء من كل الأعراق."

الموسيقى هشّة الى درجة تلزم بحمايتها من الذين يريدون منعها في بعض الأماكن في العالم. يجب حمايتها أيضا من أولئك الذين يأتون لسكب الدّم والحزن في حفلات الروك والبوب.. في صفحته الأخيرة، يشير إلى الرجل المشّاء لجياكوميتيفي هشاشته، في ارادته وفي تجلّيه أيضا.



هشاشة وثورة الموسيقى


جانكيلفيتش ولوبوشي، تفصلهما عشرات السنين، لكن يدعواننا الى رحلة في عالم الهشاشة والتجلّي الموسيقي، وفي بعض الأحيان طبعا في رحاب الثورة. ولكن دائما في لقاء الهشاشة الأبديّة للفنّ، للموسيقى التي تبكي والتي "تعطي روحا لقلوبنا وأجنحة لأفكارنا" بعبارة أفلاطون منذ مئات السّنين.

"وحدها الموسيقى يمكن أن تتحدّث عن الموت" كتب مالرو.

يذكّرنا لوبوشي وجانكيليفيتش بهذا الأمر بطريقة بديعة.