• Wodhoo7 Translation

ميشال أونفري: عن اليسار الذي أصبح بلا زعيم

كانت هناك حرب فرنسية ألمانية خسرتها فرنسا ولا نتحدّثُ عنها: إنّها الحرب التي وضعت ماركس المثالي ضدّ برودون البراغماتي. طبعا، انتصر ماركس في هذه المعركة. كان لديه سند قوي مع لينين ثم ستالين، الذين طبّقوا النظرية الشيوعيّة في معظم أوروبا. أعلم أن أغلب الماركسيّين يعتقدون أنّ الجولاج لم يكن موجوداً في نظريّات ماركس، لكن الأكيد أنّ هناك إضفاء للشرعية على العنف. ومع ذلك، فإن الجولاج ليست إلاّ شكل من أشكال هذا العنف. انخرط العديد من المثقّفين في السرديّة الماركسيّة خلال القرن العشرين، لأنها لبّت ميلهم للأفكار والمفاهيم والكلمات والفعل والبلاغة والجدل والسّفسطة. سيطرت المثاليّة الماركسيّة على الحياة الفكريّة الفرنسيّة لمدة نصف قرن، حتى سنة 1968. في شهر مايو دُفن هذا اليسار القديم الذي تبنّاه سارتر في فرنسا لصالح اليسارية البنيوية التي جسدها فوكو وعدد من الفلاسفة الآخرين. لقد انهارت الماركسية القديمة مثل بيت من ورق: الصراع الطبقي، البروليتاريا المستنيرة، وديكتاتوريّة هذه البروليتاريا نفسها، والمركزية الديمقراطيّة، والعنف الذي أدّى إلى الثّورة، كل هذا أصبح في مزبلة التاريخ. بالنسبة لماركس، لم يكن هناك سود، ولا آسيويين، ولا بيض، ولا يهود، ولا مسيحيين، ولا مسلمين، ولا رجال ونساء، ولا مغايرين جنسياً ولا مثليين جنسياً، بل فقط برجوازيون مستغلون وبروليتاريون مستَغَلُّون.


يجسّد فوكو، مع مجموعة صغيرة من المفكّرين، البنيوية التي توفر أيديولوجيّتها للعدميّة المعاصرة. تعلن البنيوية، مع العديد من المصطلحات الغامضة، أنه سيكون هناك هياكل غير مرئية، لا توصف، ستتحكم في كل ما هو موجود! كان ذلك بمثابة الابتعاد عن التاريخ والدخول في عهد الأفكار المجرّدة.


سيعدل جميع البنيويين عن هذه التجربة لأنه اتضح أنها طريق مسدود فلسفيًا. لكن حياتهم استمرت عبر المحيط الأطلسي. لقد تمت ترجمة أعمالهم في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن النصوص الفرنسية المترجمة إلى الإنجليزية ليست واضحة أبدًا، بل إنها تضيف جرعة إضافية من الغموض. أضف إلى ذلك نظريات الأساتذة الذين جعلوا الأطروحات غير المفهومة، تلك التي كان هؤلاء المؤلفون الفرنسيون قد تخلوا عنها بالفعل لمدة عشر سنوات.



النّظريّة الفرنسيّة


بعد ماي 68، ساهم السياق الأوروبي في جعل ترسانة المفاهيم الماركسيّة بلا جدوى: اذ تخلى ميتران عن الاشتراكية في عام 1983، وتبعه حلفائه الشيوعيون في هذه المغامرة، إضافة إلى سقوط جدار برلين في عام 1989، ونهاية الإمبراطورية السوفيتية عام 1991: لم يعد بإمكان اليسار الفرنسي التوجّه إلى موسكو للتفكير - باستثناء التّأمل في الأنقاض. لذا حوّلت وجهتها إلى الغرب، وبسبب انبهارها بالجامعة الأمريكيّة، كانت تطلب محتوى أيديولوجي من أنصار البنيوية الجديدة الذين تجاوزوا الماركسية العقائدية لصالح اليسار الثقافي. وهكذا تحوّل ما كان يعدّ بدعة فرنسيّة (أي البنيوية) إلى نظريّة شائعة مرّة أخرى في فرنسا، بعد نصف قرن من وفاتها، تحت اسم... النظريّة الفرنسيّة!


هذه النظرية الفرنسية، التي لم تعد كذلك بعد أن مرّت عبر طواحين التّرجمة والتألّق الأكاديمي، تنتقد، من بين أمور أخرى: العقل الغربي، وإمكانية وجود الحقيقة، المركزيّة القضيبيّة العقليّة وهو مفهوم دريدا الذي يدين بالتّالي تسلّط خطاب الرجل الأبيض الغربي، والعمليّات الديمقراطيّة للنّقاش واتّخاذ القرار، والفصل بين الجنسين، وكتابة التاريخ من قبل الغربيّين.


في الوقت نفسه، تعتبر الهوامش عوض المراكز: المثليين جنسياً والمتحولين جنسياً والنساء والسود والمغاربيّين والمهاجرين والمسلمين. والثّيمات المفضّلة لفوكو: السجناء والمجانين، المجرمون. أما أبطال دولوز فهم مدمنو المخدرات أو مرضى الفصام. انطلاقا من تلك اللحظة، لم يعد البروليتاري ممثّل التاريخ فقد تم استبعاده لفسح المجال للأقليات: سيتوجّه، كردّة فعل، إلى أقصى اليمين عند عائلة لوبين.


اليسار الماركسي الضائع بعد وفاة ماركس و إمبراطوريته، فسح المجال أمام اليسار المجهريّ. الأوّل يهدف إلى عالمية ثورته. الثاني، تعميم الاصطفاف في مجموعات. الاوّل يخيف النظام الرأسمالي والثاني يسعده: من خلال تدمير الأمم والشعوب والبلدان والدول، فإنّه يسرع نحو حكومة عالم لا يمكن أن تمثّل اليسار. تعمل الشركات الضخمة بالفعل على ذلك.



(صدر هذا المقال في جريدة لو فيغارو الفرنسيّة بتاريخ 19 جوان 2020)



ميشال أونفري: فيلسوف وكاتب فرنسي

مصدر الصورة: جريدة لوفيغارو الفرنسيّة


© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles