• Wodhoo7 Translation

كيف يفكر الفرد داخل المجتمع ؟

Updated: Mar 17

(اشيل وينبرغ)

(مجلة العلوم الإنسانية عدد 35 ديسمبر 2001 /جانفي – فيفري 2002)


إنغمست عديد التيارات السوسيولوجية المعاصرة في فهم مسألة كيف يفكر الفرد داخل المجتمع. فعلى عكس نموذج اللامثقف المنغمس في معتقداته إكتشفت العلوم الاجتماعية فردا قادرا على تحليل الأطر ، يمتلك قدرات ، يعمل عقله عندما يتصرف ، بإختصار هو يفكر.


لنرى ماذا و كيف ؟


ليس إهتمام علماء الاجتماع بالتمثلات الاجتماعية و دور الأفكار في الحياة الاجتماعية بالجديد. و قد درس أغلب علماء الاجتماع الكلاسيكية التفكير داخل المجتمع تحت خانة التمثلات الجماعية ، الإيديولوجية و الرؤى المتعددة للعالم التي تقيد الفاعلين في محيط عقلي ينفرهم .


بالنسبة لكارل ماركس فإن الإيديولوجيا كما الدين ، مرادفتان للأفيون أما عند إيميل دوركايم فأن التمثلات الجماعية عماد من أعمدة المجتمع (أنظر المقال ص16).


تلعب الإيديولوجيات ، بالنسبة لعلماء الاجتماع دورا مهما كالذي تلعبه الثقافة بالنسبة لعلماء الأنثروبولوجيا ، إذ تشكلان مجموع المعتقدات التي تقوم بتلاحم المجموعات الساجنة للأفراد و المربكة لهم .فلا يؤدي تفكير الأفراد أو المجموعات إلى التعرف بل إلى التصديق و بالتالي ، لم يعد يرى علماء الاجتماع الأشياء على حالها .


اندلعت منذ زمن ثورة كوبرنيكية ضد طريقة إعتبار الفكر داخل المجتمع . فبعيدا عن كوننا الة اجتماعية عالقة ضمن المعتقدات و المعايير، نكتشف أن الفرد في المجتمع يرصد قدرات إدراكية ، فيتصرف باعتباره مستهلكا ، ناخبا، موظفا أو حتى معين منزلي...فالفرد يجادل و يحلل و يفكر. بالمختصر يعتبر كفاءة . ولا تمثل معارفه سوى تمثلات و مرايا تعكس العالم الاجتماعي . و تعتبر هذه التمثلات مكونات العمل الاجتماعي والمساهمة في توجيهه .


من الإثنوميثودولوجية إلى السوسيولوجيا الإدراكية :

إن الوعي بالمواقف الإدراكية للفاعلين ، قد فرضته عديد التيارات المختلفة التي يمكن تصنيفها حسب ثلاثة محاور إذ يتمحور الأول حول مقاربات الإثنية (العرقية) و مقاربات السوسيولوجيا الإدراكية .و يدور الثاني حول نظرية الاختيار العقلاني .أما المحور الثالث فيتمركز حول سوسيولوجيا الانعكاسية .


سنة 1967 نشر هارولد جرافينكل مؤلفه دراسات في الإثنوميثودولوجيا الذي سيمثل نقطة تحول السوسيولوجيا الأمريكية . و من ضمن الدراسات التي أجراها المؤلف يذكر قصة شاب متحول جنسي يدعى انياس أجرى عملية جراحية ليصبح امرأة . وما أثار اهتمام هارولد جرافينكل هو طريقة اكتساب انياس أنوثته على صعيد الحياة اليومية (التزين / اللبس على طريقة النساء ...الخ...). إذ أصبحت المواقف و الممارسات كما نجدها عند المرأة العادية ، من الممارسات الروتينية و المألوفة . إنها موضوع تعلم طويل ، بالنسبة لانياس .


سمى هارولد جرافينكل المعارف الضمنية و المعارف التطبيقية التي يستعملها الفاعلون الإجتماعيون في حياتهم اليومية الإثنوميثودولوجيا , علم الأعراق .


لتكون قادرا على الطبخ ، على اختيار الملابس ، على التصرف بطريقة لائقة في مطعم ، أو حتى على قيادة سيارة ...يجب عليك إتقان حزمة من المعارف التي تصبح خفية بحكم الرتابة رغم أنها مهمة جدا للتطور داخل المجتمع . عندما نسافر إلى بلد نجهله و نجهل حتى قوانينه المدنية (كيف نلقي التحية ، هل يجب أن نمنح النادل بقشيشا ؟ كم؟) فإننا حينها ندرك إثنياته . ترفع الإثنوميتودولوجيا من المعارف التطبيقية العادية و التي نستعد لها بكل حذر . فتبدو لنا و كأنها طبيعية في حين أنها رحلة تعلم داخلي طويلة . و بفعل الزمن ينصهر هذا البناء الاجتماعي ليأخذ تمظهرا طبيعيا .


و ليس علم الأعراق في مضمونه ببعيد عن ما قاله "بيار بورديو" الذي سمى المألفة مشروع السلوكات (طريقة التكلم , الأكل ,اللبس , الإستهلاك...) الصرفة في إطار معين .


اعتبر "علم الأعراق" نقطة إنطلاق مهمة في قلب السوسيولوجيا الأمريكية بداية من الستينات . إذ أسست للإشتغال على المهن , لمعرفة الخبرات و المعارف و أنماط تفكير الأطباء , أصحاب الورشات , التجار و حتى العلماء عندما يمارسون مهنهم .

نهض الأمريكي "ارون سيكوريل" بالسوسيولوجيا الإدراكية ,و طورها في إطار علم الأعراق , ما يفسر التقارب بينهما . تتركز مقاربته أكثر حول دور اللغة و آليات القرار في التفاعلات اليومية . و مرجعها في ذلك صريح بالنسبة للعلوم الإدراكية حيث ولدت سلسلة أشغال حول الطريقة التي نسترجع بها العدالة , التي تمكن التلميذ من إتخاذ قرارات توجيهه .


في فرنسا جاء علم الأعراق و السوسيولوجيا الإدراكية مؤخرا و قد مثلتا خاصة موضوع الإنعكاسات النظرية أكثر من كونهما أشغالا تجريبية كما بينها آخرون مثل "لويس كيري" "باتريك فارو" "برنارد كونين" "ميشال دو فورنال" "ألبرت اوجين" .


عقلنة الإختيارات

مذهب سوسيولوجي اخر , أكثر عقلانية , كان قد قيم دور الإدراك ضمن الفعل الاجتماعي . و يجمع -هذا المذهب- مؤلِّفين مثل "جون إلستير" و "ريموند بودن" إذ توصل عالم الاجتماع النرويجي "جون إلستير" الى نقد نموذج "الإختيار العقلاني" المستعمل في مجال الاقتصاد الذي يفسر سلوكات الوكلاء . و حسب "جون إلستير" فإن الفاعلون عقلانيون جدا , إذ يخططون لأعمالهم اليومية بإستراتيجيات واعية . و لا تتغير سلوكاتهم بفعل القيود أو الإيديولوجيات التي تجعلهم في معسكرات فحسب . في حين لا يتماهى المستهلك او الناخب أو أي فاعل مع المفكر الصارم و السديد الذي يقترحه نموذج "الإختيار العاقل" . يدعم "جون إلستير" تجارب عالم النفس "اموس تفيرسكي" الذي برهن أن الأفراد الذين واجهوا حججا عقلية يسهل إيقاعهم عبر "نزعة إدراكية" . و لا تخلوا حساباتهم و مداخلاتهم و تقديراتهم من عديد الأخطاء . و منذ ذلك الحين , يجب إعتبار الفاعل الاجتماعي شبيها ب " الحيوان المتجنب للأخطاء الفادحة" عوض إعتباره "حيوانا عاقلا" . إنتبه "جون إلستير" في مؤلفاته العديدة إلى "حيل العمل" التي يوظفها الأفراد للوصول الى الخواتيم . فكيف يوظفون ذلك مثلا لتذليل مشاعرهم أو لحصر إرادتهم الفاشلة بهدف التوقف عن التدخين أو إجبارهم على تنظيم عملهم ؟


أسس عالم الاجتماع "ر.بودون" مقاربة تشبه مقاربة"جون إلستير" . إذ يرفض أيضا أن يعتبر أن أفعالنا موجهة بمعتقدات غير عقلانية , و يختلف مع مقاربة "الإختيار العقلاني" التي تحكم بدون واقعية , كما إستعمل –مثل جون إلستير- نظرية الإنحياز الإدراكي ليأخذ بعين الإعتبار تكوين الإيديولوجيات .


في كتاب "الإيديولوجيا" أو كتاب "أصل الأفكار المسلمة" (فاير 1986) ثم في كتاب "فن الإقناع" (سوي 1992) , باشر بتفسير الإيديولوجيات السياسية أو الأحكام المسبقة مستحضرا عملية الحجاج المنطقي . كما يرى أن المعتقدات أيضا تبدو غير عقلانية مثل الممارسات السحرية التي يمكن أن تتأسس على دقة ظاهرة . كما الطقوس التي تمارسها بعض القبائل عند موسم نزول الأمطار , و ليس سخيفا أن نفكر في ماهية هذه الطقوس و من أسسها . كذلك بالنسبة للإيديولوجيات السياسية مثل "الشيوعية" أو " العالم الثالث" , اللتان تأسستا على هيكل عقلاني صلب . أغلب الذين يتبنون هاتين الايديولوجيتين استطاعوا الاستسلام لهذا الفخ العقلي , أو بالأحرى الاستسلام لاهتماماتهم و إرادات تصديقهم .


إجمالا و بالنسبة ل"بوردو" , يمكن أن تكون لنا "حجج وجيهة" للتضليل . فنستطيع أن نفسر الأحكام الخاطئة و المعتقدات المتعددة متحفظين في ذلك على موضوع الكفاءة الإدراكية العقلانية حتى و إن كان هذا التعقل غير كامل . و لا يتأتى مصدر "الإيديولوجيا" من المشاعر , بل من القرارات الخاطئة .


اهتم "بوردو" في أعماله الأخيرة بشكل أقل بالأسباب العقلانية للإيديولوجيا مقارنة باليات الإدراك التي تدخل في باب الأحكام المعنوية . لكن النظرية لم تتغير , إذ بقي يرى دائما أن العمل الفني للمنطق (لا للأحكام المسبقة أو المشاعر) يتجسد صلب العزيمة في الفعل .


نهضت مقاربات "جون إلتسير" و "ريمون.بودون" بالعقلانية الإدراكية . فتغذي (حاليا) نقاشا كاملا حول المكان المخصص للمعايير و المشاعر و العقلانية ضمن السياقات و الأحكام .


السوسيولوجيا و الإنعكاسية :

إذا فكر الفاعل و خمن و وزن و تحقق و قيم قبل أن يتصرف , فإن ذلك نتيجة عدم الانحصار الكلي لأفعاله داخل إطار المعايير و الأعراف و العادات و مشاريع العمل الجاهزة .


تحدث السوسيولوجي الأنقليزي "أنطوني قيدين" عن "الانعكاسية" ليفهم بهذه العملية التحليل الذاتي . و تمثل الانعكاسية كفاءة الفاعل "الملتزم باستمرار وسط تدفق السياقات اليومية ... لفهم ما يقومون به عند فعله" . إن هذه القدرة الانعكاسية في جزء منها مقصود و عملي (تستبدل هذه القدرة الروتينية و العادات) . فلا توجد حدود واضحة بينهما .


باشر سوسيولوجيون ,في فرنسا, مثل "فرونسوا دوب" "جون كلود كوفمان" "برنارد لاهير" أو "بيار كوركوف" , في اكتشاف دور الانعكاسية في سلوكيات العزيمة . و يتشارك أغلب السوسيولوجيين التحليل نفسه الذي يرى أن انعكاسية الفعل ليست خاصة بفترة من التاريخ الإنساني . فكل المجموعات الإنسانية , كل الأفراد قادرون على ممارستها . و ستعزز الانعكاسية في الفترة المعاصرة مع إنحلال القيود و استعلاء الأدوار الاجتماعية ومعايير السياقات المتقلبة حسبما يقرره الأفراد .


إن عدم "مأسسة" الأسرة و مرونة و عدم استقرار الوظائف , علاوة على كثرة إغراءات الحياة العصرية , تستدعي من الفرد تحليلا ذاتيا و إعادة تعريف مستمرة لاختياراته . يتحدث "ف.دوبت" عن "التمييز" ليضع بعين الاعتبار انعكاسية الفواعل . فالقواعد و المعايير الاجتماعية لم تنشأ واضحة , ما يحمل على التساؤل المستمر حول كيفية تضمينها . كيف يجب أن يتصرف المدرس تجاه التلميذ الذي يعطل الفصل ؟ أيعاقبه , أم يحاوره , أم يتركه في حال سبيله ؟


لا يوجد حضور للتفكير و لا حضور للتحرك مفروض . و يبقى المخزون السلوكي منفتحا حيث الانعكاس المستدام . ة هذا هو حال النساء اللواتي أرهقتهن الحياة في عديد التجليات : المرأة العاملة , أم العائلة , العزباء أو المتزوجة . إن أزمة الهوية الذكورية تفرض على الرجال أيضا أن يعيدوا تعريف سلوكاتهم . نفس الشئ ينطبق على المدير (ما أسلوب الإدارة الذي يجب إعتماده ؟) و الموظف (هل يجب أن يبقى في الوظيفة أم لا ؟)


لا تكفي المألوفات الاجتماعية و البرامج السلوكية "المدمجة و المتكيفة مع البيئة الاجتماعية" أبدا لتعديل السلوكات. لقد أبرز "برنارد لاهير" أنه في كل سلسلة مهام يومية –طريقة تسويق و إدارة عمل- لا يستطيع الفاعل الاجتماعي الاعتماد على تفعيل برامج اللاوعي , بل على العكس , يجب عليه أن يفكر (انظر المقابلة مع برنارد.لاهير , ص 78) .


للتلخيص : يقدم علم الاجتماع الحالي ثلاث اتجاهات من المقاربات لدراسة تفكير الفاعلين الاجتماعيين . يهتم الأول بالعرقيات و المألوفات و المعارف البسيطة . و يهتم الثاني بعقلانيات العمل . و يهتم الإتجاه الثالث بانعكاسية الفاعلين . و تقطع هذه المقاربات مع الرؤية الكلاسيكية للفاعل . و لهذه المقاربات بعض الخصائص المشتركة .


برنامج في طور الإعداد :

تقدم التوجهات الثلاثة روية جديدة للفاعل في المجتمع . فلم يعد مجرد "جاهل ثقافي" عند "ه.جارفينكل" , الة اجتماعية رهينة الأعراف و المألوفات و الأيديولوجيات . و لا نعتبره آلة حساب جامدة , يعمل دماغه كبرامج الإعلامية .


وانضم علماء الاجتماع لرفض النموذج "الحسابي" الذي يسعى لتفسير العقل البشري عبر بعض قواعد التشغيل الأساسية . و بهذه المقاربة الجديدة للفاعل الاجتماعي , المنظور اليه على أنه مصلح عقلي , أنتجت قاعدة جديدة في المناهج السوسيولوجية . يميل عالم الاجتماع في التمشي الكلاسيكي , إلى اعتبار أن الفاعل أعمى عن الأسباب العميقة التي توثر على إختياراته . أفعاله و أفكاره لا يمكن أن تفهم في نهاية تمشي "موضعة" السلوكات الخارجية . إذ نربط خياراته الانتخابية أو الاستهلاكية على سبيل المثال بفئتهم الاجتماعية-المهنية لتحليل قراراته اللاواعية . و ترفض الطريقة الجديدة في دراسة علم الاجتماع هذه الفرضية . فإذا كان الفاعل يمتلك بعض المهارات , يحلل , يتعمد و يزن , وجب على عالم الاجتماع أن يأخذ في عين الاعتبار انعكاساته و مداولاته الداخلية . كيف يفكر الطبيب أو ربة المنزل أو هذا المتسكع , و كيف يحللون الموقف ؟ و ما تجليات هذا التفكير على فعله ؟


يمكن اعتبار الفاعل الاجتماعي على طريقته إذا تمكن من تحليل الوضعية الاجتماعية التي يتحرك فيها . تماما كرئيس الشركة الذي يريد أن يغزو السوق , عليه أن يحلل الوضعية الاجتماعية و أن يكون ملما تقريبا بمحيطه . فالطالب في تحريه التوجيه يسعى لفهم مرونة النظام و سير عمل الجامعة ( كثيرا ما يكون مبهم) , و يقيم سوق الشغل و طرق دخول المهنة .


يدقق المستهلك المطلع و يقارن و يتردد و يستفسر قبل أن يشتري . كل هذه الاستراتيجيات تكون أحيانا مفصلة جدا و لا يمكن حصرها في بعض التكييفات الاجتماعية . تنشأ علاقة مزدوجة بين العلوم الاجتماعية و المجتمع . يمكن للخطاب الاجتماعي أن يصبح أحد مكونات المعرفة العامة (دراسة السوق , تمثلات الطبقات , القبائل...) و تصبح معرفة الفواعل معرفة ثانوية في التحليل السوسيولوجي . كما كتب "أ.جيدنز" هناك "معاملة بالمثل بين علماء الاجتماع و الموضوعات التي تشكل جزءا من موضوع دراستهم" .لذلك فإن التوجه الادراكي لعلم الاجتماع المعاصر يطرح مشروعا واعدا . لكن تبقى هذه الأشغال –خاصة في فرنسا- الية بالأساس .


العديد من الأفكار المجردة , مكرسة لتوضيح المبادئ ( ما العقلانية ؟ كيف تتشكل المعايير و الاختيارات الإستراتيجية للفعل ؟ ...) . إن الدراسات التجريبية و المواد الموسيقية التي من شأنها أن تقدم جوهر النقاشات , لمفقودة . يدافع "ج.كوفمان" أو "ب.كوركوف" عن برنامج يجمع المواد التجريبية . في ماذا يفكر الفاعلون الاجتماعيون , الأطباء , المستهلكين , رجال الشرطة و طياري الخطوط الجوية ؟ كيف يتشكل تفكيرهم العقلاني و الانعكاسي و كيف تتشكل أفعالهم ؟ كيف الجمع بين القبود و الخيارات ؟ ما مدى أهمية أحلامهم و تحليلاتهم ؟ هل تتماشى مع وجهات نظرهم و أفعالهم ؟


برنامج شيق للسنوات القادمة ...


ترجمة ميساء بنبلقاسم


0 comments

© 2019 by Wodhoo7. All Rights Reserved

Get notified of our new articles